العدد 184
العدد 184


الافتتاحية متانة القطاع المصرفي ركيزة الاستقرار في مواجهة التحولات الاقتصادية والجيوسياسية
شيخة العيسى

نأتي اليوم في مرحلةٍ استثنائية تتسم بتسارعٍ غير مسبوق في المتغيرات الجيوسياسية، وتزايدٍ ملموس في حدة التحديات الاقتصادية العالمية. يشهد الاقتصاد الدولي حالة إعادة توازن بالغة التعقيد، في ظل ضغوط تضخمية ممتدة، وتباينٍ واضح في مسارات السياسات النقدية، إلى جانب تصاعد المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.

في هذا السياق، لم يعد القطاع المصرفي مجرد وسيطٍ مالي تقليدي، بل غدا عنصراً محورياً في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي، وتعزيز الثقة في الأسواق، وضمان كفاءة انتقال السياسات النقدية والمالية إلى صميم النشاط الاقتصادي.

 المنطقة الخليجية : في قلب التقاطع الجيوسياسي

 تتجلى أهمية هذا الدور بشكل أكثر وضوحاً في منطقتنا الخليجية، التي تقف عند تقاطعٍ حساس بين اعتبارات الجغرافيا السياسية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي، في ظل بيئة عالمية شديدة الحساسية لأي تطورات إقليمية. ورغم ثقل هذه التحديات، أثبتت اقتصادات المنطقة قدرةً ملحوظة على الحفاظ على التوازن والاستقرار، مدعومةً بأسسٍ مالية صلبة، وسياساتٍ اقتصادية متحفظة، وأطرٍ مؤسسية قادرة على إدارة المخاطر بكفاءة واقتدار.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز البنوك الكويتية نموذجاً يعكس متانة القطاع المصرفي وقدرته على التكيف؛ ليس فقط مع المتغيرات الدورية، بل مع بيئةٍ تتسم بتصاعد مستمر في مستويات عدم اليقين. وقد استند هذا الأداء إلى منظومةٍ رقابية متقدمة يُشرف عليها بنك الكويت المركزي، الذي تبنّى نهجاً حذراً ومتدرجاً في إدارة السياسة النقدية، واضعاً الاستقرار المالي في صدارة أولوياته.

 الأداء المالي: أرضية صلبة في زمن الاضطراب

 تؤكد المؤشرات المالية الراهنة أن القطاع المصرفي الكويتي يقف على أرضيةٍ مالية صلبة، تعكس رسملةً مرتفعة، ومستوياتٍ مريحة من السيولة، وجودة أصولٍ مستقرة، إلى جانب قاعدةٍ تمويلية متينة. كما أظهرت البنوك قدرةً واضحة على تحقيق توازنٍ دقيق بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على الانضباط الائتماني – وهو توازنٌ بالغ الأهمية في ظل بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.

وفي ضوء التطورات الإقليمية الراهنة، تتعاظم أهمية هذا التوازن؛ إذ تتطلب المرحلة إدارةً دقيقة واستباقية للمخاطر، ومرونةً تشغيلية، وقدرةً على التكيف دون الإخلال بأسس الاستقرار المالي. وقد أثبتت البنوك الكويتية، مدعومةً بالإطار الرقابي القائم، قدرتها على التحرك ضمن هذا الهامش بكفاءةٍ وحكمة.

القطاع المصرفي وأُفق التنمية

 لا يقتصر دور القطاع المصرفي على إدارة المخاطر فحسب، بل يمتد ليشمل دعم مسارات التنمية الاقتصادية من خلال تمويل المشاريع الاستراتيجية، وتعزيز الشمول المالي، ودعم التحول الرقمي. وفي هذا الإطار، تواصل البنوك استثمارها في الابتكار والتكنولوجيا المالية، بما يعزز جودة الخدمات، ويرفع كفاءة التشغيل، ويواكب تطلعات العملاء في بيئة تنافسية متجددة.

الاستقرار المالي ضرورة استراتيجية

إن ما تشهده المنطقة من تطورات، وما يفرضه الاقتصاد العالمي من تحديات، يؤكد جميعها أن الاستقرار المالي لم يعد خياراً، بل غدا ضرورةً استراتيجية لا مناص منها. وفي هذا السياق، تمثل متانة القطاع المصرفي خط الدفاع الأول، والمرتكز الأساسي للحفاظ على الثقة والاستقرار في بيئةٍ تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين. وقد أثبتت البنوك الكويتية قدرتها على أداء هذا الدور بكفاءةٍ وجدارة، من خلال التزامها بمعايير الحوكمة، وانضباطها المؤسسي، ومرونتها التشغيلية.


حمد المرزوق: عودة البنوك بكامل طاقتها تعكس متانة القطاع المصرفي ونجاحها في إدارة كافة التحديات

عصام الصقر: البنوك تتمتع بجاهزية ومرونة مؤسسية وشريك أساسي في دعم مسيرة التنمية بالكويت

 

قال رئيس اتحاد مصارف الكويت، ورئيس مجلس إدارة بيت التمويل الكويتي حمد عبدالمحسن المرزوق، إن البنوك الكويتية عادت إلى العمل بكامل طاقتها التشغيلية بنسبة 100 %، في خطوة تعكس متانة القطاع المصرفي وقدرته العالية على التكيف والاستجابة الفاعلة لمختلف المتغيرات، مؤكداً أن هذه العودة تمثل امتداداً للدور الحيوي الذي تضطلع به البنوك كركيزة أساسية في دعم الاستقرار المالي والاقتصادي في الكويت.

وأوضح المرزوق أن القطاع المصرفي الكويتي، وبتوجيهات وإشراف بنك الكويت المركزي، نجح في إدارة مختلف التحديات بكفاءة عالية…

و مستنداً إلى بنية مؤسسية راسخة، وكوادر وطنية مؤهلة، وأنظمة تشغيلية متطورة، ما مكنه من ضمان استمرارية الأعمال وتقديم الخدمات المصرفية بأعلى مستويات الجودة والموثوقية في مختلف الظروف.

وأكد أن العودة الكاملة للعمل تعكس الجاهزية الشاملة للبنوك لمواصلة أداء دورها التنموي، من خلال تمويل المشاريع، ودعم القطاع الخاص، وتعزيز الثقة بالمنظومة المالية، بما يسهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي وتحقيق مستهدفات رؤية الكويت التنموية.

وأضاف أن اتحاد مصارف الكويت يواصل تنسيقه المستمر مع الجهات المعنية والبنوك الأعضاء، بما يعزز التكامل المؤسسي ويوحد الجهود لمواكبة المتغيرات الاقتصادية، ويرسخ مكانة الكويت كمركز مالي إقليمي يتمتع بالكفاءة والاستقرار.

من جانبه، أكد نائب رئيس مجلس إدارة اتحاد مصارف الكويت، ونائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني عصام جاسم الصقر، أن استئناف العمل بكامل الطاقة التشغيلية يعكس مستوى عالياً من الجاهزية والمرونة المؤسسية التي يتمتع بها القطاع المصرفي الكويتي.

وأشار الصقر إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه المكتسبات، من خلال تعزيز الابتكار في الخدمات المصرفية، وتطوير الحلول الرقمية، ورفع كفاءة العمليات، بما يلبي تطلعات العملاء في مختلف الظروف والتحديات، ويواكب أفضل الممارسات العالمية.

وشدد على أن القطاع المصرفي سيظل شريكاً أساسياً في دعم مسيرة التنمية، عبر توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الشمول المالي، والمساهمة الفاعلة في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي، بما يعزز الثقة بالاقتصاد الوطني ويرفع تنافسيته إقليمياً ودولياً.

واختتم الصقر بأن البنوك الكويتية، بما تمتلكه من قوة مالية وخبرة مؤسسية، ماضية في أداء دورها الوطني بمسؤولية وكفاءة، مُسخِّرةً إمكاناتها لدعم الاقتصاد الوطني وخدمة المجتمع، ومواصلة مسيرة التنمية تحت ظل القيادة الحكيمة.

وفي ختام البيان، أعرب اتحاد مصارف الكويت عن بالغ تقديره واعتزازه بالجهود الكبيرة التي قدمها العاملون في القطاع المصرفي الكويتي في مختلف الظروف، مشيداً بروح المسؤولية العالية والالتزام المهني الذي أظهروه، واللذين كان لهما الأثر البالغ في ضمان استمرارية الأعمال والحفاظ على جودة الخدمات المصرفية دون انقطاع. وأكد الاتحاد أن هذا الأداء المتميز يجسد كفاءة الكوادر الوطنية وقدرتها على مواجهة التحديات بكفاءة واقتدار، ويعكس الدور المحوري للعنصر البشري كركيزة أساسية في نجاح القطاع وتعزيز مكانته، مثمناً تفانيهم وإخلاصهم في خدمة الوطن ودعم استقراره الاقتصادي، داعياً المولى عز وجل أن يديم على دولة الكويت نعمة الأمن والأمان ويحفظها من كل سوء


الرئيس التنفيذي لبنك وربة في حوار خاص مع «المصارف» الغانم: « وربة » سيواصل مسيرته الناجحة في تحقيق نمو متوازن في مختلف مؤشرات الأداء الرئيسية مدعوماً بثقة مساهميه وعملائه

قال الرئيس التنفيذي في بنك وربة شاهين حمد الغانم إن بنك وربة يقف على أرض صلبة، وبفضل الله أصبح البنك الأسرع نمواً في الكويت، مع استقطاب عملاء من بنوك أخرى، بفضل الاستراتيجية التي ارتكزت على تطوير نمو أرباح البنك وتحويله إلى مؤسسة مصرفية تؤمن خدمات ريادية لقطاع الأعمال، مع متابعة نجاحاته في قطاع التجزئة.

وأضاف الغانم في حواره مع مجلة المصارف أن أهم ما يميزنا في بنك وربة لا يتمثل فقط فيما نحققه من نتائج مالية متميزة كل عام، ولكن في الاستمرارية والثبات في تحقيق هذه النتائج الإيجابية، كما أننا نتميز في بنك وربة بسلاسة التعامل مع العملاء، وسرعة الإنجاز، والتحسين المستمر لجودة الأعمال، واعتماد الابتكار والتطور التكنولوجي والحوكمة السليمة، والإدارة الحصيفة للمخاطر، والرقمنة والاستدامة، وتوظيف وسائل كفيلة بتحقيق أفضل مستويات النمو، والمحافظة على قوة الأداء المالي، والامتثال للضوابط والتعليمات الرقابية والتنظيمية، مع تقديم أفضل الخدمات والمنتجات والمبادرات للمحافظة على مكانتنا في الريادة بين البنوك.

من جهة أخرى، ذكر الغانم أنه، وفي ظل الاستقرار النسبي في السياسة النقدية، وبالتوازي مع التطورات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، بما في ذلك التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية وتأثيراتها المحتملة على اقتصادات دول الخليج، نتوقع أن يتسم الطلب على التمويل خلال الفترة المقبلة بالحذر الإيجابي.

وتوقع الغانم استمرار الطلب على التمويل الاستهلاكي وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع توجه أكبر نحو الحلول التمويلية المرنة والمتوافقة مع الشريعة الإسلامية، التي تلبي احتياجات العملاء في ظل بيئة تتسم بعدم اليقين.

وذكر الغانم أن القطاع المصرفي الكويتي شهد خلال السنوات الماضية تطوراً ملحوظاً في قدرته على التعامل مع الصدمات، مقارنةً بما كان عليه في دورات اقتصادية سابقة، وذلك نتيجة حزمة من الإصلاحات التنظيمية، وتعزيز متطلبات رأس المال والسيولة، إلى جانب تبني أفضل الممارسات العالمية في إدارة المخاطر. وإليكم تفاصيل الحوار:

  • كيف تقيّمون موقع بنك وربة اليوم ضمن القطاع المصرفي الكويتي في ظل تصاعد المنافسة وتغير ملامح السوق؟

إننا في بنك وربة نقف على أرض صلبة، وكما ذكرت في العام 2017 خلال مؤتمر صحفي أن بنك وربة سيكون، بفضل الله، الأسرع نمواً في الكويت مع استقطاب عملاء من بنوك أخرى، وذلك للخطط الاستراتيجية التي ارتكزت على تطوير نمو أرباح البنك وتحويله إلى مؤسسة مصرفية تؤمن خدمات ريادية لقطاع الأعمال مع متابعة نجاحاته في قطاع التجزئة، وقد أصبح، ولله الحمد، البنك الأسرع نمواً في الكويت، وسيواصل «وربة» مسيرته الناجحة في تحقيق نمو متوازن في مختلف مؤشرات الأداء الرئيسية، مدعوماً بثقة مساهميه وعملائه وكفاءة نموذج أعماله وجودة إدارة المخاطر، مما رسّخ موقعه كأحد أكثر البنوك الإسلامية جاهزيةً لمواصلة النمو خلال المرحلة القادمة. وإننا في بنك وربة نعتز ونفتخر بما حققه بنك وربة خلال الفترات الماضية من تحقيق مستويات نمو منشودة، والوصول إلى مستويات ربحية متنامية ومستدامة، ونتائج مالية متميزة تتمثل في تعزيز مركزه المالي وحقوق مساهميه وتحسين مؤشرات أدائه الرئيسية، وإعادة هيكلة العديد من أنشطة أعماله، وتحسين عملياته الداخلية. فرغم تصاعد المنافسة وتغير ملامح السوق والتوترات الجيوسياسية، تمكنا، بفضل من الله، من تحقيق نمو في صافي الأرباح بلغ 122% لتصل إلى 50 مليون دينار، ونمت الإيرادات التشغيلية بنسبة 14% لتصل إلى 307.4 مليون دينار، وارتفع إجمالي أصول البنك بنسبة 14% ليصل إلى 6 مليارات دينار بنهاية عام 2025، مما يعكس نجاح البنك في توسيع قاعدة أصوله. كما شهدت محفظة التمويل نمواً بنسبة 10% لتصل إلى 5 مليارات دينار، مما يؤكد دور البنك الحيوي في تمويل القطاعات الاقتصادية المختلفة وتلبية الاحتياجات التمويلية للأفراد والشركات. إضافةً إلى كل ذلك، لا بد أن نُشيد بالجهود الجادة والحثيثة التي بذلها مجلس الإدارة وفريق الإدارة التنفيذية وموظفو البنك، والهادفة إلى إحداث نقلة نوعية في مؤشرات أداء البنك، والتي انعكست إيجاباً على التصنيف الائتماني للبنك خلال الفترات الماضية.

  • برأيكم، ما الذي يميز نموذج بنك وربة مقارنةً ببقية البنوك الإسلامية في الكويت؟

إن أهم ما يميزنا في بنك وربة لا يتمثل فقط فيما نحققه من نتائج مالية متميزة كل عام، ولكن في الاستمرارية والثبات في تحقيق هذه النتائج الإيجابية، كما أننا نتميز في بنك وربة بسلاسة التعامل مع العملاء، وسرعة الإنجاز، والتحسين المستمر لجودة الأعمال، واعتماد الابتكار والتطور التكنولوجي والحوكمة السليمة، والإدارة الحصيفة للمخاطر، والرقمنة والاستدامة، وتوظيف وسائل كفيلة بتحقيق أفضل مستويات النمو، والمحافظة على قوة الأداء المالي، والامتثال للضوابط والتعليمات الرقابية والتنظيمية، مع تقديم أفضل الخدمات والمنتجات والمبادرات للمحافظة على مكانتنا في الريادة بين البنوك، بالإضافة إلى التركيز على السوق الكويتي المليء بالفرص دون التعرض لاهتزازات الأسواق الخارجية.

  • إلى أي مدى تغيرت أولوياتكم الاستراتيجية خلال الفترة الأخيرة استجابةً للتطورات الاقتصادية والمالية؟

اتسمت الفترات الأخيرة بحالة من عدم اليقين الاقتصادي العالمي، وتغير الظروف النقدية، وتطور الديناميكيات الجيوسياسية، إلا أن بنك وربة أثبت مرةً أخرى قدرته على تجاوز التحديات بفضل متانة نموذج أعماله، وقوة ميزانيته العمومية، وفعالية استراتيجيته طويلة الأجل الثابتة وبدون متغيرات. واستندت هذه الاستراتيجية إلى أسس واضحة تقوم على الإدارة الحصيفة للمخاطر، وقوة رأس المال والسيولة، ونموذج أعمال متنوع يمتد عبر أسواق وقطاعات متعددة، ونمو قوي في قطاع إدارة الثروات، بالإضافة إلى استمرار النمو عن طريق الاستحواذ وزيادة الحصة السوقية.

  • ما أبرز العوامل التي دعمت أداء البنك خلال الفترة الماضية، وكيف تنظرون إلى استدامة هذا الأداء؟

نجحنا بفضل الله خلال الفترة الماضية في تحقيق أداء قوي وتقدم استراتيجي للبنك، حيث واصل تعزيز موقعه ومكانته المتميزة بين البنوك الكويتية، وبالرغم من أن البيئة العالمية التي اتسمت بحالة من عدم اليقين الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية والتغيرات المتسارعة في ديناميكيات الأسواق المالية، لم تمنع البنك من إثبات مرونة نموذج أعماله المتنوع وقوة استراتيجيته طويلة الأجل.

لذلك تجد أن أداء البنك المالي في عام 2025 يعكس هذه المرونة والانضباط في التنفيذ. إن نتائج بنك وربة تؤكد فاعلية نموذج التشغيل المتنوع للبنك، وإطار إدارة المخاطر المنضبط الذي يتبعه البنك، فضلاً عن الثقة المستمرة التي يوليها العملاء والمستثمرون بالبنك. وفي دلالة على ثقة العملاء المتزايدة في بنك وربة، بلغت ودائع العملاء 3.5 مليارات دينار، كما حافظ البنك على معدلات كفاية رأس مال قوية بلغت 16.87%، متجاوزاً بذلك المتطلبات الرقابية، مما يعزز قدرته على مواجهة التحديات المستقبلية واغتنام فرص النمو. وبالنظر إلى المستقبل واستدامة الأداء، تظل استراتيجية بنك وربة مرتكزةً بقوة على تحقيق النمو المستدام والابتكار وخلق قيمة طويلة الأجل.

وسنواصل الاستثمار في التكنولوجيا والمنصات الرقمية وتحليلات البيانات المتقدمة لتعزيز مرونتنا التشغيلية وتقديم حلول مالية أكثر تخصيصاً لعملائنا في الوقت ذاته، وبفضل رؤيتنا الاستراتيجية الواضحة وميزانيتنا العمومية القوية، وكوادرنا البشرية المتميزة، نحن واثقون بقدرتنا على اغتنام الفرص الجديدة، ومواجهة التحديات المستقبلية، ومواصلة وضع معايير جديدة للتميز المصرفي في الكويت.

  • هل شهدتم تحولاً في الطلب بين تمويل الأفراد وتمويل الشركات، وكيف ينعكس ذلك على استراتيجية البنك؟

من المؤكد ذلك، حيث شهد بنك وربة تحولاً كبيراً في الطلب بين تمويل الأفراد والشركات، حيث واصل تقديم حلول مصرفية متكاملة متوافقة مع الشريعة، مصممةً لدعم قدرة الشركات على التوسع وإدارة السيولة بكفاءة، ويواصل «وربة» نهجه في الاهتمام بخدمة وتمويل شريحة المشروعات الكويتية الصغيرة والمتوسطة من خلال الإدارة المصرفية للأعمال.

إننا في بنك وربة نجحنا في التوازن بين المحفظة العقارية وباقي القطاعات الاقتصادية الممولة لتصل إلى نسبة أكثر تنوعاً، وذلك من خلال التركيز على تمويل القطاعات الأخرى في المحفظة. واستطعنا في بنك وربة، منذ سنوات طويلة، دعم قطاع الشركات من خلال وضع حلول مصرفية إسلامية مبتكرة وتطوير بنيته التكنولوجية وابتكار خدمات مصرفية جديدة.

ولقد شهد قطاع الأفراد نمواً مطرداً بعد الطلب الكبير عليه، رغم تراجع هذا القطاع في البنوك الأخرى، مع تحقيقه نمواً غير مسبوق في قطاعات المقاولات والتجارة والعقار.

إن هذا التحول وزيادة الطلبات في قطاعي الشركات والأفراد كان لهما دور كبير وانعكاس إيجابي على النتائج المالية للبنك، وأسفرا عن الكثير من النجاحات والإنجازات، لا سيما أن البنك اليوم يحصد نتائج جيدة ثمرةً لجهوده في تطوير العمليات والخدمات والمنتجات بما يتلاءم مع طموح ومتطلبات العملاء.

وإننا في بنك وربة مستمرون في تقديم أرقى خدمة مصرفية تتوافق مع استراتيجيتنا التنموية التي تركز أيضاً على دعم قطاعي الشركات والأفراد عبر تزويدهم بحلول مصرفية وتمويلية رائدة.

  • في ظل استقرار نسبي في السياسة النقدية، كيف تتوقعون اتجاه الطلب على التمويل خلال الفترة المقبلة؟

في ظل الاستقرار النسبي في السياسة النقدية، وبالتوازي مع التطورات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، بما في ذلك التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية وتأثيراتها المحتملة على اقتصادات دول الخليج، نتوقع أن يتسم الطلب على التمويل خلال الفترة المقبلة بالحذر الإيجابي.

فعلى الرغم من أن هذه الظروف قد تدفع بعض العملاء، خصوصاً في قطاع الشركات، إلى التريث في التوسع أو تأجيل بعض القرارات الاستثمارية، إلا أن متانة الاقتصاد الكويتي واستمرار الإنفاق الحكومي، إلى جانب قوة القطاع المصرفي، تسهم في الحفاظ على مستويات مستقرة من الطلب، لا سيما في القطاعات الأساسية.

وفي المقابل، نتوقع استمرار الطلب على التمويل الاستهلاكي وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع توجه أكبر نحو الحلول التمويلية المرنة والمتوافقة مع الشريعة الإسلامية، التي تلبي احتياجات العملاء في ظل بيئة تتسم بعدم اليقين.

وفي بنك وربة، نحرص على تبني نهج متوازن يجمع بين إدارة المخاطر بكفاءة، والاستمرار في دعم عملائنا من الأفراد والشركات عبر تقديم حلول تمويلية مبتكرة، مع الحفاظ على مستويات سيولة قوية، بما يضمن قدرتنا على التكيف مع مختلف السيناريوهات الاقتصادية.

بشكل عام، نتوقع أن يظل الطلب على التمويل مستقراً مع فرص نمو انتقائية، مدعوماً بأسس اقتصادية محلية متينة، رغم التحديات الإقليمية القائمة.

  • كيف ترون مستقبل القطاع المصرفي الإسلامي خلال السنوات القادمة، وما الذي يضعه بنك وربة ضمن أولوياته في هذه المرحلة؟

نرى أن مستقبل الصيرفة الإسلامية يحمل فرصاً واعدةً للنمو خلال السنوات القادمة، مدفوعاً بتزايد الطلب على الحلول المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية؛ ليس فقط على المستوى المحلي، بل أيضاً إقليمياً وعالمياً، كما أن التحولات الرقمية المتسارعة، إلى جانب تطور الأطر التنظيمية، تسهم في تعزيز تنافسية هذا القطاع وتوسيع قاعدة عملائه.

وفي ظل التحديات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، بما في ذلك التوترات الإقليمية الراهنة، من المتوقع أن تزداد أهمية الصيرفة الإسلامية كخيار يتميز بالاستقرار والارتباط بالاقتصاد الحقيقي، وهو ما يعزز ثقة العملاء الباحثين عن أدوات مالية أكثر تحفظاً واستدامةً.

وفي هذا السياق، يضع بنك وربة ضمن أولوياته تعزيز الابتكار في المنتجات والخدمات المصرفية الإسلامية، مع التركيز على التحول الرقمي وتقديم تجربة مصرفية متكاملة وسلسة. كما يولي البنك أهميةً خاصةً لدعم قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير حلول تمويلية مرنة تلبي احتياجات مختلف شرائح العملاء.

إلى جانب ذلك، يحرص البنك على تعزيز كفاءة إدارة المخاطر والحفاظ على مستويات قوية من السيولة، بما يمكنه من التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والإقليمية، كما يستمر في الاستثمار في الكوادر البشرية والتقنيات الحديثة لضمان تقديم خدمات مصرفية عالية الجودة.

وبشكل عام، نؤمن بأن القطاع المصرفي الإسلامي مقبل على مرحلة نمو نوعي، وسيكون للجهات القادرة على الابتكار والتكيف، مثل بنك وربة، دور محوري في قيادة هذا التحول خلال المرحلة المقبلة.

  • إلى أي مدى أصبح القطاع المصرفي الكويتي أكثر قدرة على التعامل مع الصدمات مقارنة بدورات سابقة؟

شهد القطاع المصرفي الكويتي خلال السنوات الماضية تطوراً ملحوظاً في قدرته على التعامل مع الصدمات، مقارنةً بما كان عليه في دورات اقتصادية سابقة، وذلك نتيجة حزمة من الإصلاحات التنظيمية، وتعزيز متطلبات رأس المال والسيولة، إلى جانب تبني أفضل الممارسات العالمية في إدارة المخاطر.

فاليوم، يتمتع القطاع بمستويات قوية من الرسملة، ونسب سيولة مريحة، إضافةً إلى رقابة تنظيمية فعّالة من قبل الجهات المعنية، ما يعزز قدرته على امتصاص التقلبات الاقتصادية والتعامل مع الأزمات بكفاءة أعلى، كما ساهمت التجارب السابقة، مثل تداعيات الأزمات المالية العالمية وجائحة كورونا، في بناء خبرات تراكمية لدى البنوك في إدارة الأزمات واستمرارية الأعمال.

وفي ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة، بما في ذلك التوترات المرتبطة بالحرب التي تخيم على المنطقة، يُظهر القطاع المصرفي الكويتي مرونةً أكبر وقدرةً على التكيف، مدعوماً بقاعدة ودائع مستقرة، وانكشاف مدروس على الأسواق الخارجية، إلى جانب سياسات ائتمانية أكثر تحفظاً، بالإضافة إلى دور السياسات المتزنة والمدروسة من بنك الكويت المركزي في إرساء قواعد الثبات والاطمئنان.

وفي هذا الإطار، يواصل بنك وربة تبني نهجاً استباقياً في إدارة المخاطر، مع الحفاظ على مستويات قوية من السيولة وتنويع محفظته التمويلية، بما يعزز قدرته على مواجهة مختلف السيناريوهات الاقتصادية. كما يحرص البنك على الاستفادة من التطور الرقمي في تعزيز الكفاءة التشغيلية وضمان استمرارية تقديم الخدمات بكفاءة عالية.

وبشكل عام، يمكن القول إن القطاع المصرفي الكويتي أصبح اليوم أكثر جاهزيةً ومرونةً في مواجهة الصدمات، مع قدرة أكبر على الحفاظ على الاستقرار المالي ودعم الاقتصاد المحلي، حتى في ظل بيئة إقليمية ودولية متقلبة.

  • كيف تنظرون إلى دور البنوك في تمويل مشاريع التنمية والبنية التحتية خلال المرحلة القادمة؟

نرى أن البنوك ستلعب دوراً محورياً في تمويل مشاريع التنمية والبنية التحتية خلال المرحلة القادمة، باعتبارها شريكاً أساسياً في دعم خطط التنمية الاقتصادية وتحقيق الاستدامة المالية. فمع استمرار الحكومات في دول الخليج، بما فيها الكويت، في تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، تبرز أهمية القطاع المصرفي في توفير الحلول التمويلية المناسبة التي تواكب حجم هذه المشاريع والتي تتوافق مع رؤية الكويت المستقبلية لعام 2035 بهدف تحقيق الرؤية المتكاملة للدولة.

وفي ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة، تزداد الحاجة إلى نماذج تمويل أكثر مرونةً وتنوعاً، مثل الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، والتمويل المشترك، إضافةً إلى أدوات التمويل الإسلامي التي ترتبط بالأصول وتحد من المخاطر، ما يعزز جاذبيتها في مثل هذه الظروف.

وفي هذا السياق، يحرص بنك وربة على القيام بدور فاعل في تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية، من خلال تقديم حلول تمويلية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، والمشاركة في ترتيب وتمويل الصفقات الكبرى، سواءً بشكل مباشر أو عبر تحالفات مصرفية.

كما يولي البنك اهتماماً خاصاً بدعم المشاريع التي تسهم في تنويع الاقتصاد، بما في ذلك مشاريع الطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية، إضافةً إلى المشاريع المرتبطة بالاستدامة، بما يتماشى مع التوجهات العالمية نحو التمويل الأخضر المستدام.

وبشكل عام، نتوقع أن يتعزز دور البنوك في هذا المجال خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط كممولين، بل كشركاء استراتيجيين يساهمون في هيكلة المشاريع، وإدارة المخاطر، وتقديم الاستشارات المالية، بما يدعم تحقيق التنمية المستدامة في دولة الكويت والمنطقة.

  • كيف ترون نموذج الأعمال المصرفي في ظل التحول الرقمي المتسارع؟

يشهد نموذج الأعمال المصرفي تحولاً جذرياً في ظل التسارع الكبير في وتيرة التحول الرقمي، حيث لم يعد الاعتماد مقتصراً على القنوات التقليدية؛ بل أصبح التركيز منصباً على تقديم خدمات مصرفية متكاملة، مرنة، وسريعة عبر المنصات الرقمية، وهذا التحول يفرض على البنوك إعادة صياغة نماذج أعمالها بما يواكب تطلعات العملاء ويعزز الكفاءة التشغيلية.

وفي ظل البيئة الإقليمية الحالية وما تشهده من تحديات جيوسياسية، تبرز أهمية التحول الرقمي كأداة لتعزيز المرونة التشغيلية واستمرارية الأعمال، إضافةً إلى تحسين إدارة المخاطر وتوسيع قاعدة العملاء دون الاعتماد الكامل على التوسع المادي.

وفي هذا السياق، يركز بنك وربة على تبني نموذج مصرفي رقمي متقدم يرتكز على الابتكار، من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، لتقديم خدمات مخصصة تلبي احتياجات العملاء بكفاءة عالية، كما يحرص البنك على تطوير قنواته الرقمية لتوفير تجربة مصرفية سلسة وآمنة، تعزز من رضا العملاء وتدعم ولاءهم، مع تأكيد دور الشريعة الإسلامية في تصميم المنتجات والخدمات.

إلى جانب ذلك، يتجه نموذج الأعمال نحو الشراكات مع شركات التكنولوجيا المالية (FinTech)، بما يسهم في تسريع وتيرة الابتكار وتقديم حلول جديدة أكثر مرونةً وتنافسيةً، مع الحفاظ على الامتثال للضوابط الشرعية والتنظيمية.

  • ما الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تطوير تجربة العملاء وتعزيز الكفاءة التشغيلية؟

يلعب الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات دوراً محورياً في إعادة تشكيل تجربة العملاء في القطاع المصرفي، حيث يسهمان في الانتقال من نموذج الخدمة التقليدية إلى تجربة أكثر تخصيصاً وسلاسةً تعتمد على فهم أعمق لاحتياجات العملاء وسلوكهم.

فمن خلال تحليل البيانات، تستطيع البنوك بناء رؤى دقيقة حول أنماط الاستخدام والتفضيلات، ما يمكنها من تقديم عروض وخدمات مخصصة لكل عميل في الوقت المناسب. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين سرعة وكفاءة الخدمة، عبر تطبيقات مثل المساعدات الافتراضية، وتقديم الدعم الفوري على مدار الساعة.

وفي ظل التحديات الإقليمية الراهنة، تزداد أهمية هذه التقنيات في تعزيز الكفاءة التشغيلية وتقليل التكاليف، إلى جانب دعم اتخاذ القرار بشكل أكثر دقةً ومرونةً، بما يساعد البنوك على التكيف مع المتغيرات بسرعة أكبر.

وفي هذا الإطار، يحرص بنك وربة على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتطوير تجربة عملائه، من خلال تقديم خدمات رقمية ذكية، وتحسين إجراءات الموافقة على التمويل، وتعزيز أنظمة كشف الاحتيال وإدارة المخاطر.

كما يركز البنك على استخدام هذه الأدوات لرفع مستوى التفاعل مع العملاء وتقديم تجربة مصرفية استباقية، تتوقع احتياجاتهم وتوفر لهم حلولاً مبتكرةً بشكل مستمر، مع الحفاظ على أعلى معايير الأمان والخصوصية.

وبشكل عام، يمثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات ركيزةً أساسيةً في بناء تجربة مصرفية مستقبلية أكثر تطوراً وكفاءةً، وهو ما يشكل أحد أهم محاور التحول الاستراتيجي في بنك وربة.

 


شكرا معالي الاستاذ الدكتور يعقوب الرفاعي

بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن الهيئة الاستشارية وهيئة تحرير مجلة المصارف، يسرني أن أتقدم إلى معالي الاستاذ الدكتور يعقوب الرفاعي، الأمين العام السابق ورئيس تحرير المجلة السابق، بخالص الشكر والتقدير على ما بذله من جهود متميزة خلال العامين الماضيين، اتسمت بالعطاء المهني المخلص والرؤية الواعية، وأسهمت بفاعلية في إثراء محتوى المجلة وتعزيز دورها، إلى جانب دعم مسيرة الاتحاد وتحقيق أهدافه وتنفيذ استراتيجيته.

وقد شهدت تلك المرحلة نقلة نوعية ملموسة في مختلف مجالات العمل بالاتحاد، بفضل ما تحلّى به من قيادة رشيدة ونهج مهني رصين، انعكس أثره في تطوير الأداء المؤسسي وترسيخ مكانة المجلة بوصفها إحدى أهم المجلات المتخصصة على المستوى المحلي والاقليمي.

كما يطيب لنا أن نعرب عن بالغ تقديرنا لجهوده، وجهود فريق عمل مجلة المصارف، في تعزيز حضورها المهني وترسيخ مكانتها، خلال السنوات الماضية، كإحدى أهم المجلات المتخصصة على المستوى المحلي.

وإذ نثمّن هذا العطاء، فإننا نبارك له الثقة السامية بتعيينه وزيرًا للمالية، وهو اختيار يجسد ما يتمتع به من كفاءة وخبرة مهنية رفيعة، ويعكس مسيرة حافلة بالعطاء والتميز في العمل المؤسسي والمهني. ونتمنى له دوام التوفيق والسداد في أداء مهامه الوطنية، ومواصلة إسهاماته في خدمة الوطن وتعزيز مسيرة التنمية.

وفي هذا السياق، نتقدم إلى معالي الاستاذ الدكتور يعقوب الرفاعي بخالص التمنيات بالمزيد من التوفيق والسداد في مسيرته، سائلين الله عز وجل أن يوفقه ويسدد خطاه، ويمتعه بموفور الصحة والعافية، وأن يحقق المزيد من النجاحات والإنجازات في المرحلة المقبلة.

شيخة العيسى

الأمين العام ورئيس تحرير المجلة


مدير عام الموارد البشرية والتطوير لمجموعة بنك برقان نقيب حامد أمين

تتجاوز المسيرة المهنية لنقيب حامد أمين 27 عاماً، حرص خلالها على ترسيخ دور رأس المال البشري كمحرك رئيسي للنجاح المؤسسي، من خلال تبني نهج قيادي يتمحور حول الإنسان.
شغل نقيب أمين العديد من المناصب القيادية العليا، من أبرزها مدير عام – الموارد البشرية في البنك الأهلي المتحد في دولة الكويت، ورئيس الموارد البشرية للمجموعة في شركة إنترناشيونال تورنكي سيستمز، ورئيس الموارد البشرية في مركز دسمان للسكري، بالإضافة إلى رئيس الموارد البشرية في شركة زين. وقد قاد خلال هذه المناصب مبادرات تحوّل استراتيجية واسعة النطاق، وأسهم في تعزيز القدرات المؤسسية، وبناء بيئات عمل عالية الأداء قائمة على الهدف والتمكين.
ومنذ انضمامه إلى بنك برقان في نوفمبر 2023 بمنصب مدير عام – الموارد البشرية والتطوير للمجموعة، يلعب نقيب دوراً محورياً في قيادة أجندة الموارد البشرية، وتعزيز ثقافة التفاعل المؤسسي، ومواءمة استراتيجيات المواهب مع رؤية البنك وتوجهاته المستقبلية على المستوى الإقليمي.
ونقيب أمين حاصل على درجة البكالوريوس في الإدارة من جامعة كارولينا الجنوبية في الولايات المتحدة الأمريكية. كما عزز خبراته القيادية من خلال مشاركته في برامج تطوير تنفيذي في كل من كلية هارفارد للأعمال، وكلية لندن للأعمال، وجامعة أكسفورد.


حوكمة القطاع العام بين النظرية والتطبيق: قراءة في التجربة الكويتية
أحمد مشاري الفارس

أصبحت الحوكمة في العقود الأخيرة إحدى أهم القضايا التي تستأثر باهتمام الحكومات والباحثين وصانعي القرار، ليس فقط في سياق الشركات الخاصة، بل وبصورة أعمق في القطاع العام الذي يدير المال العام ويشكل حجر الأساس في العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد انتقل مفهوم الحوكمة إلى القطاع العام كرد فعل على التحديات المتنامية المرتبطة بالشفافية والمساءلة، وبحثًا عن أدوات قادرة على ضمان إدارة رشيدة للموارد وتحقيق تنمية مستدامة.

في دولة الكويت، يزداد حضور هذا الموضوع تعقيداً نظراً لطبيعة الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، وبحكم الدور المركزي للدولة في التشغيل وتقديم الخدمات العامة، ما يجعل الحديث عن الحوكمة أمراً ضرورياً لفهم أوجه القوة والقصور في النظام الإداري. وعلى الرغم من وجود أطر دستورية وقانونية متقدمة نسبياً، فإن التطبيق لا يخلو من ثغرات تؤثر في كفاءة الأداء العام.

يهدف هذا المقال إلى استعراض الإطار النظري لمفهوم الحوكمة، وتحليل الأطر المؤسسية والقانونية في دولة الكويت، والكشف عن الفجوة بين النظرية والتطبيق، ثم مناقشة أبرز الجهود الإصلاحية القائمة، وصولاً إلى تقديم مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في ترسيخ مبادئ الحوكمة في التجربة الكويتية.

أولاً: الإطار النظري لحوكمة القطاع العام:

عند النظر إلى مفهوم الحوكمة في القطاع العام، نجد أنه لا يقتصر على مجموعة من القواعد الإدارية أو الاسترشادية، بل يشمل رؤية متكاملة لإدارة السلطة والموارد بما يضمن العدالة والكفاءة والشفافية. وقد طورت المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) مجموعة من المبادئ التي أصبحت مرجعاً عالمياً في هذا السياق.

تشمل هذه المبادئ الشفافية باعتبارها المدخل الرئيسي لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، حيث يؤدي الإفصاح عن القرارات المالية والإدارية إلى تمكين المواطنين والبرلمان من ممارسة الرقابة. وتأتي المساءلة والمحاسبة في المرتبة الثانية، بحيث يُخضع الموظفون والمسؤولون العامون لمساءلة واضحة عن أدائهم، سواء أمام الجهات الرقابية أو أمام المواطنين. كما يُعد سيادة القانون ركناً أساسياً، إذ يضمن تطبيق القوانين بعدالة ويحد من الاستثناءات التي قد تفتح المجال للفساد والمحسوبية.

أما الكفاءة والفعالية فتشير إلى إدارة الموارد العامة بما يحقق أفضل النتائج بأقل تكلفة، وهو ما يبرز في تحسين جودة الخدمات الحكومية. ولا يقل أهمية عن ذلك مبدأ العدالة والمساواة الذي يضمن وصول الخدمات إلى جميع الفئات الاجتماعية دون تمييز. وأخيراً، تؤكد الأدبيات الحديثة على أهمية المشاركة المجتمعية في صنع السياسات العامة، بوصفها وسيلة لتوسيع القاعدة القانونية وتعزيز رضا المواطنين.

وتجدر الإشارة إلى أن النظريات الإدارية تناولت الحوكمة من زوايا متعددة. فـ«المدخل الوظيفي» ينظر إليها باعتبارها مجموعة آليات لضبط العلاقة بين مختلف مؤسسات الدولة، بينما يركز «مدخل الإدارة العامة» على استلهام أساليب القطاع الخاص في إدارة الخدمات العامة مثل القياس الكمي للأداء وربط الحوافز بالنتائج. أما «مقاربة الحوكمة العالمية» فتؤكد على الترابط بين المستويات الوطنية والدولية في تطبيق معايير الشفافية والمساءلة، خصوصًا مع تزايد التزامات الدول باتفاقيات تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد وعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ومن خلال هذا التعدد النظري، يتضح أن حوكمة القطاع العام ليست وصفة جاهزة، بل إطار مرن يتكيف مع السياق الوطني لكل دولة.

ثانيًا: حوكمة القطاع العام في دولة الكويت

«الإطار المؤسسي والتنظيمي»:

تستند الحوكمة في دولة الكويت إلى دستور عام 1962 الذي يعد من أكثر الدساتير العربية تقدماً. فقد نصت المادة (50) على مبدأ الفصل بين السلطات، فيما أكدت المادة (151) على مسؤولية الحكومة عن وضع الحسابات الختامية للدولة وعرضها على ديوان المحاسبة. كما منح الدستور مجلس الأمة صلاحيات رقابية واسعة، ما يعكس حرص المشرع الدستوري على ضمان المساءلة في إدارة الشأن العام.

وعلى المستوى المؤسسي، يُعد ديوان المحاسبة الجهاز الرقابي الأهم، إذ يقوم بمتابعة الإنفاق العام وإصدار تقارير دورية تكشف أوجه الهدر والتجاوزات. إلى جانبه، برزت هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) التي تأسست عام 2016 كخطوة لتعزيز النزاهة وترسيخ ثقافة الشفافية، وهي مكلفة بمتابعة قضايا تضارب المصالح والتصريح عن الذمة المالية للمسؤولين المشمولين في القانون. كما توجد أجهزة تفتيش ورقابة داخل الوزارات، فضلًا عن دور القضاء الإداري في الفصل في النزاعات المرتبطة بقرارات السلطة التنفيذية.

أما على الصعيد التشريعي، فقد أقرّت الكويت قوانين داعمة مثل قانون حق الاطلاع على المعلومات، وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الارهاب، وقانون المناقصات العامة الذي يسعى إلى تنظيم المشتريات الحكومية وفق أسس تنافسية عادلة. وإلى جانب ذلك، تسعى الدولة من خلال رؤية الكويت 2035 إلى تحديث الإدارة العامة وتعزيز التحول الرقمي كوسيلة لرفع مستوى الكفاءة والشفافية.

هذه المنظومة، على تنوعها، تشكل أساساً نظرياً متيناً للحوكمة المؤسسية، غير أن التجربة العملية تكشف عن ثغرات تحد من فاعليتها.

ثالثاً: الفجوة بين النظرية والتطبيق:

رغم الإطار الدستوري والتشريعي المتقدم، فإن الواقع العملي في الكويت يشير إلى وجود فجوة واضحة بين المبادئ النظرية للحوكمة وتطبيقها. فعلى صعيد الشفافية، لا يزال الإفصاح عن المعلومات محدوداً، إذ يواجه المواطن والباحث عن المعلومة صعوبة في الوصول إلى البيانات الحكومية بشكل سلس، ما يحد من إمكانية الرقابة الشعبية والإعلامية.

كما أن البيروقراطية تظل سمة بارزة للجهاز الإداري، حيث تتسبب الإجراءات الطويلة والمعقدة في إهدار الوقت وتعطيل الخدمات، وهو ما أشار إليه مراراً ديوان المحاسبة في تقاريره السنوية. وتنعكس هذه الإشكالية على ترتيب الكويت في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حيث تسجل الدولة مراكز متوسطة تعكس الحاجة إلى تعزيز آليات النزاهة.

ويُضاف إلى ذلك أن المساءلة السياسية لا تتحقق دوماً بشكل فعّال، إذ غالباً ما تتأثر علاقة السلطتين التشريعية والتنفيذية بالاعتبارات السياسية والشخصية آنذاك، ما يضعف قدرة مجلس الأمة على متابعة السياسات العامة بموضوعية. كما أن الارتباط بين الأداء الوظيفي والترقيات أو البقاء في المناصب لا يزال ضعيفاً، حيث يغيب التقييم الموضوعي القائم على مؤشرات الأداء.

من جهة أخرى، تظل المؤسسات الرقابية تعاني من قيود في استقلاليتها العملية، ما قد يحد من فاعليتها في مواجهة الفساد أو التجاوزات. أما الاقتصاد الريعي، فيجعل الدولة الممول والمشغّل الرئيسي، وهو ما يقلل من الضغوط التنافسية التي عادة ما تحفز على تحسين الأداء وتطبيق معايير الحوكمة.

رابعاً: جهود إصلاحية وتجارب واعدة:

رغم الفجوة المشار إليها، فإن دولة الكويت حققت خطوات ملموسة نحو تعزيز الحوكمة. من أبرزها التحول الرقمي للخدمات الحكومية الذي سمح للمواطنين بإنجاز معاملات عبر المنصات الإلكترونية مثل منصة «سهل»، ما أسهم في تقليص التعاملات الورقية وتقليل فرص الفساد الإداري.

كما أن إنشاء هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) كان تحولاً مهماً، حيث عملت على نشر ثقافة الإفصاح وتلقي إقرارات الذمة المالية من المسؤولين، وأصدرت تقارير دورية ساعدت في رفع الوعي المجتمعي بقضايا النزاهة.

إلى جانب ذلك، يواصل ديوان المحاسبة أداء دور بارز في كشف أوجه القصور، إذ تتداول تقاريره في وسائل الإعلام وتثير نقاشات برلمانية واسعة، مما يعكس درجة من الشفافية المجتمعية. أما مجلس الأمة، فيظل أداة رقابية فعالة عبر مناقشة الحسابات الختامية للدولة.

وعلى المستوى الدولي، انضمت الكويت إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، والتزمت بتقارير المراجعة الدورية، ما ساعدها على الاستفادة من الخبرات الدولية وتبني معايير مقارنة. هذه الجهود لا تمحو الفجوات القائمة، لكنها تشير إلى إرادة إصلاحية متنامية يمكن البناء عليها لتطوير منظومة الحوكمة المؤسسية بشكل أكثر شمولية.

خامساً: توصيات لتعزيز حوكمة القطاع العام في الكويت:

لكي تتحول الحوكمة من إطار نظري إلى ممارسة عملية، تحتاج دولة الكويت إلى تبني مجموعة من الإصلاحات المتكاملة.

أولها تعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية مثل ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد، وذلك عبر ضمان آليات تعيين شفافة وموضوعية، ومنحها صلاحيات أوسع في التحقيق والمتابعة.

كما أن ترسيخ ثقافة الشفافية يتطلب نشر البيانات الحكومية بشكل دوري على منصات مفتوحة، مع تطوير قانون حق الاطلاع على المعلومات وتفعيله بصرامة. ويجب أن يترافق ذلك مع دعم منظمات المجتمع المدني من أهمها جمعية المحاسبين والمراجعين الكويتية وجمعية الشفافية الكويتية، كأطراف رئيسة في منظومة الرقابة المجتمعية.

أما على مستوى الإدارة، فمن الضروري تبسيط الإجراءات البيروقراطية عبر استكمال التحول الرقمي وتطوير نظام موحد لإدارة الأداء في القطاع العام، بحيث يتم تقييم الموظفين على أساس مؤشرات موضوعية ترتبط بالكفاءة والإنجاز.

كذلك، يتعين تطوير منظومة تضارب المصالح عبر إلزام المسؤولين الحكوميين بالإفصاح الدوري، وربط ذلك بعقوبات نافذة في حالة الإخفاء أو التلاعب. وفي السياق ذاته، من المهم تعزيز دور القضاء الإداري كضامن لسيادة القانون وحماية الحقوق من أي تجاوزات.

ومن التوصيات المهمة أيضاً إشراك القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في تقديم بعض الخدمات العامة وفق أطر واضحة للحوكمة، ما يخفف العبء عن الدولة ويعزز الكفاءة عبر المنافسة. وأخيراً، ينبغي مواءمة هذه الإصلاحات مع رؤية الكويت 2035 بحيث تشكل الحوكمة المؤسسية إحدى الركائز الأساسية للتنمية المستدامة.

الخاتمة:

تشير التجربة الكويتية إلى أن الحوكمة في القطاع العام ليست مجرد شعارات أو نصوص دستورية، بل عملية معقدة تتطلب توازناً بين الإرادة الحكومية، والقدرات المؤسسية، والثقافة المجتمعية. وعلى الرغم من وجود فجوة واضحة بين المبادئ النظرية والتطبيق، فإن الجهود الإصلاحية القائمة – خصوصاً في مجال التحول الرقمي وتعزيز النزاهة – توفر قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير منظومة أكثر كفاءة وشفافية.

إن ترسيخ الحوكمة المؤسسية في الكويت لن يتحقق إلا عبر مسار طويل من الإصلاحات المتدرجة، يقوم على تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية، وتطوير نظم الإفصاح والمساءلة، وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني. وإذا ما تحققت هذه العناصر، فإن دولة الكويت ستكون في موقع أفضل لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة وتحقيق أهداف رؤيتها التنموية، بما يعزز ثقة المواطن في الدولة ويرسخ دعائم الإدارة الرشيدة.


اقتصاديات التعليم في الكويت
د.صادق أبل

يعود مفهوم اقتصاديات التعليم إلى نظرية رأس المال البشري التي تبلورت في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي، وذلك رغم المساهمات المبكرة لكل من آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم”، وجون ستيوارت ميل، وألفريد مارشال، في إبراز دور التعليم والتدريب في تنمية مهارات العامل ورفع إنتاجيته. إلا أن نظرية رأس المال البشري (Theory of Human Capital)، التي صاغها غاري بيكر عام 1964، ركزت بصورة منهجية على أن الاستثمار في التعليم والتدريب والصحة يؤدي إلى زيادة إنتاجية الفرد ودخله، ويساهم في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي، باعتبار أن القوى العاملة تمثل شكلًا من أشكال رأس المال الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، أسهمت الدراسات اللاحقة لكل من آرثر لويس وثيودور شولتز، من جامعة شيكاغو والحاصلين على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1979، في ترسيخ هذا التوجه، حيث أكدا أن المعرفة والمهارات تمثلان مكونًا أساسيًا من مكونات رأس المال، وأن الاستثمار في رأس المال البشري يؤدي إلى تحقيق نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تحسين مستويات الأجور.

كما شهدت فترة السبعينيات والثمانينيات توسعًا ملحوظًا في الدراسات التطبيقية والنظرية التي عززت مفهوم اقتصاديات التعليم بجانبيه الجزئي والكلي، وأسهمت في تطوير فهم الحكومات والباحثين لأهمية الاستثمار في التعليم. وقد تنوعت مجالات البحث في الاقتصاد التعليمي لتشمل تحليل العلاقة بين الإنفاق على التعليم والنمو الاقتصادي، وتقييم العائد الاقتصادي للاستثمار في التعليم، سواء على مستوى الفرد أو الاقتصاد الكلي.

وعلى هذا الأساس، يمكن تعريف الاقتصاد التعليمي بأنه أحد فروع علم الاقتصاد الذي يعنى بدراسة العلاقة بين التعليم والنشاط الاقتصادي، وتحليل أثر الاستثمار في التعليم على الدخل والنمو الاقتصادي. ونظرًا لأهمية هذا الموضوع، يسعى هذا المقال إلى استعراض ملامح الاقتصاد التعليمي في دولة الكويت.

التعليم في الكويت

يعود تاريخ التعليم في الكويت إلى 22 مارس عام 1911، حيث تأسست أول مدرسة نظامية وهي المدرسة المباركية، تلاها تأسيس المدرسة الأحمدية في عام 1921، وفي عام 1934 تم إنشاء مجلس المعارف الذي أصبح لاحقًا في عام 1962 وزارة التربية والتعليم، وعدل المسمى إلى وزارة التربية في عام 1965، التي نظمت وأشرفت على القطاع التعليمي، حيث تطور التعليم في الكويت من خلال تأسيس المزيد من المدارس بكافة مراحلها وصولًا إلى عام 1966 حيث تم إنشاء جامعة الكويت.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى أن النظام التعليمي في الكويت مجاني، وهناك اهتمام حكومي كبير في التعليم، حيث تم إنشاء عدد كبير من المدارس الحكومية يناهز عددها لمرحلة رياض الأطفال نحو 208، وللمرحلة الابتدائية 291، والمرحلة المتوسطة بعدد 233، والمرحلة الثانوية بعدد 158 مدرسة، موزعة على كافة مناطق الكويت، ويبلغ إجمالي عدد طلاب وطالبات هذه المدارس نحو 420513 للعام الدراسي 2023/2024.

كما يبلغ عدد المدارس الخاصة لكافة المراحل التعليمية نحو 298 مدرسة. وتشير الرسوم البيانية أرقام 1، 2، و3 إلى إجمالي عدد المدارس، وأعداد الطلبة والطالبات، وعدد المعلمين والمعلمات لكافة مراحل التعليم للمدارس الحكومية فقط. وللتنبؤ بالبيانات المستقبلية بناءً على الأرقام الحالية، تم إضافة خط الاتجاه (Trendline) إلى كافة الرسوم البيانية لتوضيح الاتجاه العام للبيانات، لتحديد الاتجاهات والتنبؤ بالقيم المستقبلية.

وتشير البيانات المتوفرة عن الأهمية النسبية لعدد المدارس لمختلف مراحل التعليم للسنة المالية 2023/2024 إلى أن المرحلة الابتدائية تستحوذ على 32.7%، تليها المرحلة المتوسطة بنسبة 26.1%، ورياض الأطفال بنسبة 23.3%، فالمرحلة الثانوية بنسبة 17.7% من إجمالي عدد المدارس على التوالي (رسم بياني رقم 1).

وفيما يتعلق بعدد المدرسين والمدرسات للمراحل التعليمية، فهي تتماشى مع نفس الاتجاه لعدد مدارس المراحل التعليمية الأساسية، حيث تستحوذ المرحلة الابتدائية على المرتبة الأولى من حيث الأهمية وبنسبة 38.5%، تليها المرحلة المتوسطة بنسبة 30.9%، فالثانوية بنسبة 22.8%، فرياض الأطفال بنسبة 8% (رسم بياني رقم 2).

وعلى صعيد أعداد الطلبة والطالبات نجد أن الاتجاه ذاته يتكرر، فقد استحوذت المرحلة الابتدائية على نسبة 37.6%، تليها المرحلة المتوسطة بنسبة 30.8%، فالمرحلة الثانوية بنسبة 22.2%، وأخيرًا رياض الأطفال بنسبة 9.5% (رسم بياني رقم 3).

إن الاتجاه العام لمعدلات النمو لأعداد الطلبة والمدارس والهيئة التعليمية خلال الفترة من 2014/2015 إلى 2023/2024 يشير بوضوح إلى ارتفاع نسبة الطلبة في المرحلة الابتدائية والمتوسطة، وهذا يتناسق مع الإحصائيات الديموغرافية للكويت التي تشير إلى أنه مجتمع فتي، حيث نسبة الفئات العمرية الصغيرة عالية مقارنة بإجمالي عدد السكان، وهو الأمر الذي سوف يشكل ضغطًا على التعليم العالي وسوق العمل، خاصة في ظل استمرارية هيمنة القطاع العام على سوق العمل.

 المعاهد العليا والجامعات

يوجد في الكويت حاليًا ستة عشر كلية وجامعة خاصة وجامعتين حكوميتين، ويبلغ عدد الطلبة المسجلين حاليًا في جامعة الكويت نحو 43843 طالبًا وطالبة، وفي جامعة عبدالله السالم نحو 2000 طالب وطالبة، كما يبلغ عدد طلبة وطالبات الجامعات الخاصة نحو 6250 طالبًا وطالبة.

وعلى صعيد الكليات التطبيقية والمعاهد التدريبية يبلغ عدد الكليات التطبيقية خمس كليات في مجالات مختلفة، وعدد ثمانية معاهد تدريبية في مختلف المجالات الصناعية، الاتصالات، الخدمات الإدارية، الطاقة، التدريب الإنشائي والمهني.

الإنفاق الحكومي على التعليم

يستحوذ الإنفاق الحكومي على التعليم على ما يعادل 14% من إجمالي الإنفاق العام الحكومي و6.7% من الناتج المحلي الإجمالي (رسم بياني 4)، وخلال السنوات المالية الممتدة من 2019/2018 وحتى 2026/2025 استمر الإنفاق على التعليم باحتلال المرتبة الأولى أو الثانية من حيث حجم الميزانيات المخصصة لها مقارنة بإجمالي الإنفاق الحكومي العام، فقد بلغت الميزانية التقديرية لكلا الوزارتين التربية والتعليم العالي نحو 3.5 مليار دينار للسنة المالية 2026/2025 (رسم بياني 5).

والجدير بالذكر أن التعليم في الكويت يقع ضمن اختصاص وزارتين مستقلتين من حيث الميزانية المخصصة لكل منهما، وهي وزارة التربية التي تشرف على مراحل التعليم المختلفة وكافة المدارس الحكومية والخاصة والدينية والمناهج المتعلقة بها، في حين تشرف وزارة التعليم العالي على الجامعات الحكومية والتعليم التطبيقي والبحث العلمي، وإيفاد الطلبة إلى الجامعات والمعاهد العليا في الكويت وفي الخارج، والتنسيق مع مجلس الخدمة المدنية وغيره من الجهات بشأن قواعد البعثات والإجازات الدراسية، وإيفاد العاملين بالدولة والهيئات والمؤسسات العامة للخارج، والعمل على توحيد جهة الإشراف على جميع فئات الدارسين في الخارج، وتوحيد قواعد الإيفاد والشروط الواجب توافرها في الجامعات والمعاهد التي يوفدون إليها. الرسم البياني رقم (6) يوضح نمو المصاريف الإجمالية لكل من وزارة التربية ووزارة التعليم العالي خلال السنوات المالية 2019/2018 إلى 2026/2025 (ميزانية تقديرية).

وقد بلغ معدل النمو السنوي للإنفاق الحكومي على وزارتي التربية والتعليم العالي نحو 5.5% خلال الفترة 2016/2015 – 2026/2025، وهي نسبة عالية جدًا، وأما على مستوى ميزانية كل وزارة فقد بلغ معدل النمو السنوي للإنفاق الحكومي على وزارة التعليم العالي نحو 9.3%، ولوزارة التربية نحو 4.6% خلال السنوات المالية المذكورة، ويعود ارتفاع الإنفاق الحكومي على التعليم العالي إلى زيادة الإنفاق على الابتعاث المحلي والخارجي للطلبة الكويتيين خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، تشير دراسة قام بها كل من الدكتور وائل الشويعي والدكتور نايف الشمري (2019) إلى أن زيادة الإنفاق الحكومي على التعليم خلال الفترة 1979 إلى 2014 لم تساهم في جودة التعليم في الكويت، بل ساهمت في زيادة عدد الخريجين فقط، فوفقًا لإحصائيات التصنيف العالمي للتعليم (مراجعة سكان العالم، 2026) تحتل الكويت المرتبة 93 عالميًا بمؤشر تعليم عام قدره 3.2، ويضع هذا التصنيف الكويت ضمن الشريحة الدنيا من المتوسط العالمي. وتتصدر القائمة دول مثل الدنمارك والسويد والمملكة المتحدة. وأما إقليميًا، تأتي الكويت في مرتبة أدنى من الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والمملكة العربية السعودية في هذا المؤشر. كما تحتل الكويت المرتبة 69 عالميًا والمرتبة الخامسة بين دول مجلس التعاون لمؤشر إتقان المهارات (تقرير كورسيرا العالمي للمهارات 2025).

الخلاصة

للتعليم دور مهم على مستوى الفرد والاقتصاد، وقد أشارت أدبيات الاقتصاد إلى دور التعليم في التنمية الاقتصادية، وأن الدول التي تتمتع مجتمعاتها بنسب عالية من التعليم تشهد معدلات نمو في الناتج المحلي الإجمالي وتحسنًا ملحوظًا في مستويات المعيشة، ومزيدًا من الابتكارات والاختراعات المختلفة (راجع على سبيل المثال باه أبوبكر، 2023، سلفيا ليوني، 2025، ثيودور شولتز، 1961، أروشا كوراي، 2009).

ومن خلال استعراض تاريخ التعليم في الكويت ومعدلات نمو الإنفاق الحكومي على التعليم المجاني، نجد اهتمامًا كبيرًا في التعليم من حيث حجم الإنفاق والتوسع في البنية التحتية من مدارس وجامعات، إلا أن ذلك النمو المتسارع لم يسايره نمو في تطوير المناهج وجودة التعليم التي تتواكب مع حاجات سوق العمل والتكيف مع التطورات العالمية في مجالات العلوم المتقدمة، فقد يكون من المناسب أن يتم إعادة صياغة فلسفة التعليم في الكويت، بحيث تركز على الجودة ولا تقتصر على الكم، فتطوير المناهج وتدريب الكادر التعليمي يجب أن تكون مستمرة وتتواكب مع أساليب التدريس الحديثة، بحيث تبتعد فلسفة المناهج عن التلقين والحفظ وتركز على التفكير النقدي والإبداع والابتكار وتشجيع البحث الذاتي باستخدام التكنولوجيا المتقدمة، فالاستعانة بالدول المتقدمة في مجالات تطوير المناهج يعتبر أحد الوسائل المتاحة لتطوير مناهجنا التعليمية، وهو أمر ضروري لتطوير ونجاح النظام التعليمي في الكويت مستقبلًا.


استقلالية البنوك المركزية
أ. عامر ذياب التميمي

بين فترةٍ وأخرى، تُثار مشاكل بين الإدارات الحاكمة والبنوك المركزية في عددٍ من البلدان. تركيا، قبل سنواتٍ قليلة، شهدت نزاعًا ضاريًا بين الرئيس أردوغان ومحافظي البنك المركزي التركي حول السياسات النقدية وكيف يجب أن تُصاغ. كان الرئيس يطالب بتخفيض سعر الخصم، في الوقت الذي كانت تعاني فيه البلاد من تضخمٍ شديد وتراجعٍ في سعر صرف الليرة التركية.

لم يتمكن محافظو البنك المركزي التركي المتعاقبون من الرضوخ لمطالب الرئيس، حيث إن تلك المطالب تتناقض مع المتعارف عليه بين صناع السياسات النقدية عندما ترتفع معدلات التضخم، بما يتطلب رفع سعر الخصم لتقييد السيولة والقدرة على الاقتراض.

السياسة النقدية لا بد أن تُدار بعيدًا عن الاعتبارات السياسية الهادفة إلى المحافظة على شعبية الحكومات أو المجالس التشريعية، ويجب أن تعتمد على المعايير الفنية وتقييم الأحوال الاقتصادية ومساراتها. ولا شك أن سعر صرف العملة الوطنية ومتطلبات تحديد سعر الخصم، ومن ثم أسعار الفوائد المصرفية، يجب أن تعتمد على الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

الاحتياطي الفيدرالي:

معلوم أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يُعد أهم بنك مركزي في العالم، نظرًا للمكانة الاقتصادية للولايات المتحدة. تأسس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في ديسمبر، كانون الأول، عام 1913، بعد أن صدر قانون من قبل الكونغرس في ذلك العام.

وقد جاء تأسيس هذا المجلس، أو البنك المركزي، في الولايات المتحدة بعد أن واجهت البلاد مصاعب متنوعة في النظام المصرفي والمالي، وتزايد المضاربات وعجز المؤسسات ورجال الأعمال عن مواجهة الاستحقاقات.

بطبيعة الحال، مر المجلس بالعديد من النزاعات مع الإدارات في عهودٍ رئاسية مختلفة، لكن ما يمر به الآن يمثل تحديًا هامًا في بلدٍ مثل الولايات المتحدة، حيث تمثل استقلالية السياسة النقدية طقسًا محرمًا على السياسيين.

لعب مجلس الاحتياطي الفيدرالي، على مدى عقودٍ طويلة، دورًا هامًا في صيانة النظام المصرفي، ثم الاقتصادي، بعد أن مرت البلاد بأزمات عديدة في بداية القرن العشرين، ثم بعد أزمة الكساد العظيم في عام 1929، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد اعتماد نظام بريتون وودز، وفي العقد الأول من القرن الحالي، تحديدًا في عام 2008، بعد الأزمة المالية الناتجة عن القروض العقارية SUB-Prime.

مر على رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي شخصيات متميزة، من أهمهم، منذ منتصف القرن العشرين، وليام مكشيني، وأرثر برنز، ووليام ميلر، وبول فولكر، وآلان غرينسبان، وبن برناكي، وجانيت يلين، وأخيرًا الرئيس الحالي جيروم باول. وتمتع هؤلاء بالمسؤولية والنجاعة وعدم الرضوخ لإملاءات السياسيين.

الأزمة الراهنة:

الآن يواجه جيروم باول (Jerome Powell)، والذي تنتهي ولايته في شهر مايو، أيار، القادم، مشكلات هامة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي يطالب بتخفيض سعر الخصم دون الأخذ بنظر الاعتبار الواقع الاقتصادي واستمرار مخاطر التضخم الكامنة في الاقتصاد الأمريكي.

هناك من يتذكر الدور الهام الذي لعبه مجلس الاحتياطي الفيدرالي في إعادة صياغة النظام النقدي، بعد أن قرر الرئيس ريتشارد نيكسون فك الارتباط بين الذهب والدولار، والذي تقرر في مؤتمر بريتون وودز في عام 1944 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تحدد سعر أونصة الذهب بـ 35 دولارًا، بعد التوافق من قبل ممثلي 44 دولة في ذلك اللقاء.

الرئيس نيكسون، بعد أن اتضحت المعاناة من التضخم في عام 1971، قرر أن يوقف تحويل الذهب إلى دولارات بموجب الاتفاق المبرم في عام 1944، وتحرر سعر الذهب، والذي ارتفع إلى مستويات قياسية آنذاك.

أهمية الاحتياطي الفيدرالي:

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن ترشيحه لكيفن وارش (Kevin Warsh) ليحل في منصب جيروم باول بعد نهاية فترته في شهر مايو، أيار، القادم. وبطبيعة الحال، سيخضع المرشح لمقابلات مع أعضاء مجلس الشيوخ، لكن الأمر يبدو محسومًا نظرًا للغالبية الجمهورية في المجلس.

لكن جيروم باول يواجه تحقيقات بطلبٍ من الرئيس، نظرًا لقيامه بإصلاحات في المبنى الرئيسي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. ويرى مراقبون بأن تلك التحقيقات هي نوع من الضغوط على الرئيس الحالي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لكي يقوم بتخفيض سعر الخصم.

ويعتقد ترامب بأن تعديل سعر الخصم سوف يمكن من تعديل مسار الاقتصاد الأمريكي إيجابيًا، ومن ثم يرفع شعبيته وشعبية الحزب الجمهوري، بما يعزز فرص نجاح الجمهوريين في الانتخابات التشريعية في شهر نوفمبر، تشرين الثاني، القادم، ويحصن الغالبية الجمهورية في مجلس النواب والشيوخ.

الاحتياطي الفيدرالي يمثل أهمية، ليس فقط لسلامة الاقتصاد الأمريكي، بل أيضًا للاقتصاد العالمي، حيث إن الولايات المتحدة تعتبر أهم دولة تملك قدرات استهلاكية، ومن ثم تستورد السلع من مختلف البلدان الصناعية المتقدمة والنامية. كما أن العملة الأمريكية، الدولار، تبقى أهم عملات العالم، ويتم التبادل بالدولار.

ويمثل الدولار 54% من فوترة (invoicing) التجارة العالمية، و88% من قيمة المعاملات بين الدول، و58% من قيمة الاحتياطيات النقدية في عام 2025. ويضاف إلى ذلك أن تجارة النفط تقوم بالدولار، وهي لا شك من أهم عناصر التجارة الدولية.

السياسات النقدية التي يعتمدها مجلس الاحتياطي الفيدرالي تحدد السياسات النقدية من قبل البنوك المركزية الرئيسية، مثل بنك إنجلترا، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك اليابان، بما يعني أن تلك البنوك المركزية تنتظر قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي لتقرر سياستها بشأن سعر الخصم ومواجهة التضخم وتحديد أسعار الصرف للعملات الوطنية قياسًا بالدولار.

هناك، بطبيعة الحال، محاولات من قبل دول مثل الصين وروسيا ودول أخرى للتحرر من الارتباط بالدولار ومحاولة تسعير المبادلات التجارية بعملاتها الوطنية، إلا أن هذه المحاولات تصطدم بمعارضة من دول عديدة لا تجد مجالًا للفكاك من علاقتها بالدولار. 

أهمية الاستقلالية:

واجهت دول عديدة عقبات في تحديد سعر الصرف أو تحديد السياسات النقدية، وحاولت فرض سياسات لا تلتزم بالمعايير الفنية والمقاييس الاقتصادية، إلا أنها فشلت في إنقاذ أوضاعها الاقتصادية أو مواجهة الاستحقاقات والالتزامات، مثل تأدية خدمة الديون وأقساط القروض.

بدأت الدول النامية باتباع سياسات أكثر نجاعة، وعملت على دعم استقلالية بنوكها المركزية. والبنوك المركزية في دول الخليج، ولحسن الحظ، ما زالت تعمل باستقلالية ولا تخضع لضغوط سياسية من الحكومات.

غني عن البيان أنه ليس من المتوقع أن ينجح الرئيس الأمريكي في إخضاع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حتى لو عيّن رئيسًا للمجلس مواليًا له، حيث إن الكونغرس ورجال الأعمال والبنوك والمؤسسات الأساسية تؤكد أهمية استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي وتمتع رئيسه بالتحرر من الضغوط السياسية.

كما تؤكد البنوك المركزية الرئيسية الأخرى أهمية اتخاذ القرارات الموضوعية الهادفة إلى حماية النظام النقدي والمالي، ومن ثم تعزيز حيوية الاقتصاد.


مضيق هرمز ... والاستقرار الاقتصادي العالمي
محمد سليمان

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي تعبره ناقلات النفط بكثافة، بل هو واحد من المواضع التي تلتقي عندها الجغرافيا مباشرة بمنطق الاقتصاد العالمي. ففي هذا الشريط البحري الذي لا يتجاوز عرضه نحو 29 ميلًا بحريًا عند أضيق نقاطه، وتقتصر قنوات الملاحة فيه على مسارين بعرض يقارب ميلين لكل اتجاه، يتوقف جانب معتبر من استقرار أسواق الطاقة وكلفة الشحن ومسار التضخم وشهية المستثمرين للمخاطرة وتوقعات النمو في اقتصادات تبعد عنه آلاف الأميال.

والسؤال الأهم ليس: كم برميلا يمر من خلاله يومياً؟ بل: ماذا يترتب على الاقتصاد العالمي كله إذا بات هذا الممر يعمل في مناخ دائم من الخوف وعدم اليقين؟ وما الفرق بين الإغلاق الكامل والتشغيل المحدود في أثر كل منهما على الأسواق والأسعار والنمو؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تُظهر الوزن الاقتصادي الحقيقي لمضيق هرمز، بما يتجاوز بكثير ما توحي به خرائط المسافات ومعادلات العرض والطلب التقليدية.

دفعت التطورات الأخيرة هذا السؤال إلى صدارة النقاش الدولي. فصندوق النقد الدولي وصف اندلاع الحرب في الشرق الأوسط في فبراير 2026 بأنه حدث أظلم التوقعات العالمية فجأة، محذراً من أن إغلاق المضيق والأضرار التي لحقت بمنشآت إنتاج حيوية قد يُفضيان إلى أزمة طاقة غير مسبوقة. وحتى بعد إعلان هدنة في أبريل، لم تعد الملاحة إلى وضعها الطبيعي؛ إذ اقتصر المسموح به على عبور محدود ومُدار لبعض الناقلات، لا استعادة كاملة لحرية الملاحة. وهذا وحده يكفي لإدراك أن أهمية هرمز لا تنبع فقط من احتمال إغلاقه، بل أيضاً من مجرد تحوله إلى ممر يعمل تحت وطأة التهديد، وهي حالة تكفي لإعادة تسعير المخاطر في الأسواق العالمية دون انتظار وقوع نقص فعلي في الإمدادات. والتجربة الأخيرة تؤكد أن الأسواق لا تنتظر الانقطاع المؤكد حتى تبدأ في التسعير، بل يكفيها اتساع مساحة الغموض والاحتمال لكي تعيد رسم منحنيات المخاطر وتعدل توقعاتها للنمو والتضخم.

أولاً: لماذا يتجاوز هرمز

حجمه الجغرافي؟

تكمن خطورة هرمز في أنه عقدة اختناق للنظام التجاري العالمي بأكثر من معنى. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، عبر المضيق في 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يوازي ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، فضلاً عن أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال. ويُضيف صندوق النقد أن المضيق يحمل ثلث تجارة الأسمدة والهيليوم العالمية، مما يعني أننا لا نتحدث عن قناة للطاقة فحسب، بل عن بوابة لسلع تؤثر في الزراعة والصناعة والرعاية الصحية والتكنولوجيا معاً. وتكشف بيانات الأونكتاد حصة المضيق التفصيلية: 38% من النفط الخام المنقول بحراً، و29% من الغاز البترولي المسال، و19% من الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المكررة، و13% من المواد الكيميائية والأسمدة. هذه الأرقام تنقل النقاش من الصورة التقليدية التي ترى في هرمز طريقًا للنفط فقط إلى صورة أدق تعتبره نقطة عبور لمدخلات إنتاج تؤثر في قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي. وبعبارة أخرى، فإن الدول التي لا تستورد نفطاً خليجياً مباشرةً قد تكون معرضة لصدمة هرمز بطريق غير مباشر عبر ارتفاع تكاليف السلع المصنّعة في آسيا أو ارتفاع أسعار الأسمدة التي تؤثر في إنتاجها الزراعي.

ثانياً: الأهمية الحقيقية

في ندرة البدائل

في الاقتصاد، لا تُقاس أهمية الممرات الاستراتيجية بحجم ما يمر فيها فحسب، بل بحجم ما يمكن تعويضه إذا تعطلت. وهنا تظهر هشاشة هرمز بجلاء؛ إذ تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن السعودية والإمارات فقط تمتلكان مسارات بديلة تشغيلية، بطاقة فعلية لا تتجاوز 2.6 مليون برميل يومياً في حالة الاضطراب، وهي سعة تغطي أقل من 13% من التدفق الطبيعي عبر المضيق. وسلاسل الإمداد المرتبطة بإعادة التوجيه على نطاق واسع لم تُختبر بالكامل، كما أن جزءاً من هذه البنية يُستخدم أصلاً في التشغيل اليومي. أما في الغاز الطبيعي المسال، فالصورة أشد حساسية: يمر عبر هرمز نحو 93% من صادرات قطر و96% من صادرات الإمارات، ما يعادل 19% من تجارة الغاز المسال العالمية، دون أي طرق بديلة قادرة على استيعاب هذه الكميات. في عالم تحكمه العقود الفورية والمخزونات المحدودة والتوقعات الحساسة، تصبح ندرة البدائل نفسها سلعة تسعرها الأسواق فوراً.

ثالثاً: مركز الثقل الآسيوي

وحساسية الممر

إذا كان هرمز ممراً عالمياً، فإن انكشاف العالم عليه ليس متساوياً؛ فالأشد تعرضاً هي آسيا. فوفق وكالة الطاقة الدولية، يذهب نحو 80% من النفط والمنتجات النفطية العابرة إلى الأسواق الآسيوية، وكذلك 90% من الغاز الطبيعي المسال المار عبره. والصين والهند وحدهما استقبلتا 44% من صادرات الخام العابرة في 2025، ما يجعل أي اضطراب في هرمز ضغطاً مباشراً على قلب التصنيع العالمي وسلاسل القيمة الممتدة من آسيا إلى بقية أرجاء العالم. فارتفاع كلفة الطاقة في آسيا يمتد حتماً إلى أسعار السلع المصنعة والبتروكيماويات والمدخلات الوسيطة التي تدخل في إنتاج كل شيء من المعدات الثقيلة إلى الأجهزة الإلكترونية والسيارات. هذا الترابط يجعل هرمز شرياناً مباشراً للاقتصاد العالمي في مجموعه، لا مجرد شأن خليجي ذي صدى دولي. وما يُعمّق هذه الصورة أن المشتريات الآسيوية من النفط والغاز الخليجي ترتبط بعقود طويلة الأمد تجعل تنويع مصادر الإمداد في المدى القصير أمراً مكلفاً وبطيء الأثر.

رابعاً: الخليج بين ارتفاع الأسعار واختناق المسارات

إقليمياً، لا يمكن قراءة هرمز من منظور موحد لدول الخليج. فارتفاع أسعار النفط قد يبدو مكسباً للدول المصدرة، غير أن هذه القراءة ناقصة؛ إذ تعتمد إيران والعراق والكويت وقطر والبحرين على المضيق في تصدير الغالبية الساحقة من نفطها، مما يجعل المكسب السعري غير مضمون التحول إلى مكسب اقتصادي صافٍ إذا كان التصدير نفسه معرضاً للتقييد أو الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين والعبور. وقد شدد صندوق النقد على أن الحرب تصيب كذلك الأنشطة غير النفطية: إعادة التصدير والسياحة والخدمات اللوجستية والنقل والاستثمار الأجنبي المباشر. فمع تراجع حركة الملاحة الجوية والبحرية، لا تتضرر الصادرات النفطية وحدها، بل تتأثر اقتصادات بنت جزءاً جوهرياً من نموها على الموقع الجغرافي والخدمات العابرة للحدود. من هنا يصبح هرمز قضية مالية وتنموية شاملة، لا ملف طاقة يناقشه وزراء النفط وحدهم، بل أولوية تمس مسيرة التنويع الاقتصادي الخليجي ومستقبل خطط رؤى التنمية التي تضع الاقتصادات غير النفطية في صميم المشهد المستقبلي.

خامساً: من الوقود إلى الغذاء — اتساع دائرة التأثير

واحدة من أكثر الزوايا غياباً في النقاش العام هي أن هرمز ليس ممراً للوقود فقط، بل مدخلاً حيوياً للأمن الغذائي الإقليمي والعالمي. فالأسمدة والمواد الكيميائية التي يحملها تؤثر مباشرة في تكاليف الإنتاج الزراعي عالمياً، والهيليوم العابر من خلاله مادة لا غنى عنها في التصوير الطبي وصناعات أشباه الموصلات والفضاء. وبذلك فإن اضطراب هرمز قد يتحول سريعاً إلى ضغط على أسعار الغذاء، وعلى تكاليف الصناعة، وعلى بعض الخدمات الصحية عالية الحساسية. إقليمياً تزداد الهشاشة بسبب الاعتماد الخليجي المرتفع على الاستيراد؛ إذ تتجاوز حصة الواردات من استهلاك الغذاء 80% في البحرين والكويت وقطر والإمارات، وتتجاوز 50% في عُمان والسعودية. كما تبلغ مساهمة المياه المحلاة 40% أو أكثر من إمدادات المياه في ثلاث دول خليجية، وهي بنية تحتية تعتمد على سلاسل توريد وثيقة الصلة بالملاحة. هنا يتجاوز هرمز دوره كممر تجاري ليصبح جزءاً من معادلة الأمن المعيشي نفسه.

سادساً: اضطراب الملاحة

 وتكلفة الخوف

الممرات البحرية لا تتعطل فقط حين تُغلق بالكامل، بل أيضاً حين تصبح عالية المخاطر في أذهان المشغلين والمؤمنين والمستثمرين. وقد وثّقت الأونكتاد هذا بجلاء؛ إذ هوى عدد السفن العابرة يومياً من متوسط 141 سفينة في فبراير إلى 4 سفن فقط بعد اندلاع الحرب، أي تراجع بنسبة 97%. وردت الأسواق فوراً بارتفاع أسعار النفط 27% وقفز أسعار الغاز الأوروبي 74% بين 27 فبراير و9 مارس. وقد حذر صندوق النقد من ارتفاع أقساط التأمين البحري وتكاليف الشحن مع إطالة المسارات البديلة، وضعف النشاط اللوجستي، لا سيما في الاقتصادات الأكثر اعتماداً على إعادة التصدير. ومع أن بعض الناقلات بدأت بالعبور إثر الهدنة، فإن التشغيل الطبيعي لم يعد بعد في ظل استمرار مخاطر الألغام وعدم اليقين التنفيذي. والنتيجة أن تكلفة التجارة ترتفع ليس فقط بفعل نقص الإمدادات، بل أيضاً بفعل الكلفة الإضافية التي تفرضها المخاطر المتوقعة على كل صفقة وكل عقد شحن.

سابعاً: الأسواق المالية وتسعير المخاطر الجيوسياسية

تتفاعل الأسواق المالية مع الاحتمالات قبل الوقائع، وهذا ما يجعل هرمز بالغ الأثر في الحسابات الاستثمارية الدولية. فعندما أشارت مؤشرات التهدئة إلى احتمال إعادة فتح المضيق، هبطت أسعار النفط الأميركية بأكثر من 11% في جلسة واحدة يوم 17 أبريل، وقفزت مؤشرات الأسهم إلى مستويات قياسية، لأن الأسواق قرأت ذلك انخفاضاً في علاوة المخاطر المرتبطة بالممر. هذه الاستجابة تُثبت أن هرمز تحوّل إلى عقدة تسعير عالمية لعلاوة الخوف الجيوسياسي، بحيث صارت حالته شرطاً مضمناً في تقييم الأصول وقرارات التخصيص الرأسمالي. والاقتصادات النامية هي الأكثر هشاشة أمام هذه الصدمات؛ إذ حذرت الأونكتاد من تداعيات تشمل هبوط أسعار الأسهم وضعف العملات وارتفاع كلفة الدين الخارجي في الاقتصادات ذات الهوامش المالية الأضعف والاعتماد الأكبر على التمويل الخارجي. ولهذا فإن أزمة هرمز لا تظل حبيسة أسواق النفط، بل تتحول بسرعة إلى عامل ضغط على أسواق السندات والعملات في الأسواق الناشئة عبر قناة التوقعات وإعادة تسعير المخاطر السيادية.

ثامناً : سلسلة العدوى من المضيق إلى الاقتصاد العالمي

تتضح القيمة الاقتصادية الحقيقية لهرمز حين نتتبع سلسلة العدوى التي يطلقها اضطرابه: تبدأ من ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، ثم تنتقل إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن والتأمين، ومنها إلى أسعار الغذاء والسلع النهائية، لتتحول إلى ضغوط تضخمية أوسع تُربك حسابات السياسة النقدية وترفع كلفة التمويل وتضغط على الاستثمار والنمو الاقتصادي. وقد لخّص صندوق النقد هذه الآلية بصراحة: الحرب بدأت كصدمة إقليمية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى صدمة عالمية مع ارتفاع برنت فوق 100 دولار وقفزات متزامنة في أسعار الغاز والأسمدة وتشديد في سلاسل الإمداد. والأثر غير متماثل: كل زيادة 10% في أسعار النفط تخصم نصف نقطة مئوية من نمو مستوردي النفط في المنطقة، وتضيف نقطة مئوية كاملة إلى تضخمهم، مما يجعل هرمز محدداً فعلياً لمستوى الرفاه المعيشي في دول بعيدة عن ضفافه.

تاسعاً : الحالة الرمادية — أشد استنزافاً من الإغلاق الكامل

خطر هرمز لا يُقاس بمنطق مفتوح أو مغلق فقط، بل بدرجات التشغيل والقيود المحيطة به. فإدارة معلومات الطاقة الأميركية قدّرت أن محدودية التدفقات أدت إلى إغلاقات إنتاجية قسرية في دول الخليج بنحو 7.5 ملايين برميل يومياً في مارس، مرشحة للارتفاع إلى 9.1 ملايين في أبريل لو استمرت القيود، مع توقع أن استعادة التدفقات الكاملة ستستغرق شهوراً لا أياماً. وقد تكون هذه الحالة الرمادية اقتصادياً أشد استنزافاً من الإغلاق القصير الواضح؛ لأنها تُبقي الأسواق في وضع إعادة تسعير مستمر، وتؤجل قرارات الاستثمار الكبرى، وتدفع الشركات إلى رفع المخزون الاحترازي وإعادة توزيع سلاسل التوريد، بما يزيد الكلفة التشغيلية على المدى المتوسط، حتى لو لم تتوقف التجارة كلياً. هنا تكمن المفارقة: التهديد غير المكتمل قد يكون أشد اقتصادياً من الأزمة المكتملة.

عاشراً : إعادة الفتح المشروط — تراجع الصدمة لا زوالها

على الرغم مما شهده مشهد هرمز من احتمالات تصعيد، فإن التطورات الأخيرة حملت مؤشرات انفراجة نسبية: إعادة فتح جزئي ومشروط للمضيق، وحديث متصاعد عن إمكان تفاهم أميركي-إيراني يخفف حدة المواجهة ويمنع انزلاقها إلى تعطيل كامل. غير أن هذه المؤشرات لا ينبغي أن تُقرأ عودة نهائية للاستقرار، بل انتقالاً إلى مرحلة أكثر تعقيداً عنوانها التشغيل المقيد واستمرار علاوة المخاطر في التسعير. المشكلة لم تعد مقتصرة على سؤال ما إذا كان المضيق مفتوحاً أو مغلقاً، بل تتعلق بطبيعة هذا الفتح ذاته: هل هو مستقر وقابل للاستمرار، أم مؤقت تحكمه تفاهمات سياسية غير مكتملة؟ الانفراج الأخير خفف الصدمة الفورية دون شك، لكنه لم يُلغِ الهشاشة البنيوية التي تجعل هرمز قادراً على تحويل كل تهدئة مؤقتة إلى حالة انتظار مشوبة بالحذر، لا يقين اقتصادي كامل يُتيح تطبيع قرارات الاستثمار والتجارة.

الحادي عشر: الدرس الاستراتيجي للعالم والمنطقة

الدرس الأعمق الذي تكشفه أزمة هرمز هو أن الأمن الاقتصادي لم يعد منفصلاً عن الجغرافيا البحرية. فالدول لا يكفيها تنويع قاعدتها الإنتاجية إذا بقيت منافذها التصديرية مركزة، ولا يكفيها فائض مالي إذا كانت سلاسل إمدادها الغذائية والدوائية واللوجستية شديدة الاعتماد على ممر ضيق قابل للاختناق. لذلك تصبح خطوط الأنابيب البديلة والاحتياطيات الاستراتيجية وأدوات التحوط والتنسيق البحري الدولي مكونات في صميم السياسة الاقتصادية الكبرى، لا ملفات تقنية هامشية. وعالمياً يذكّر هرمز بأن العولمة ما تزال محكومة بعُقَد ضيقة؛ فحتى الدول الأقل اعتماداً على نفط الخليج تظل متأثرة بأسعاره وبكلفة التأمين والشحن والتضخم الذي ينتقل عبر سلاسل التوريد والأسواق المالية إلى كل اقتصاد مندمج في المنظومة التجارية العالمية. والدرس الذي لا يقبل التأجيل هو أن بناء بدائل وتعزيز الاحتياطيات وتنويع مسارات الإمداد ليست ترفاً استراتيجياً، بل ضرورة اقتصادية تُقاس تكاليف إهمالها بما يخسره الاقتصاد العالمي حين تضيق هذه الممرات الحيوية.

لماذا يبقى هرمز استثنائياً؟

لا يصح النظر إلى مضيق هرمز بوصفه مجرد طريق بحري لنقل النفط، لأن هذا الاختزال يحجب حقيقته الاقتصادية الأوسع. فهذا الممر يشكل نقطة عبور للطاقة والغاز والأسمدة والهيليوم، كما يشكل في الوقت نفسه بؤرة حساسة لتسعير المخاطر الجيوسياسية في الأسواق المالية، وعاملاً غير مباشر في تكوين أسعار الغذاء والنقل والتمويل في مناطق بعيدة جغرافياً لكنها متصلة به اقتصادياً. وتنبع أهميته الاستثنائية لا من كثافة ما يمر عبره فقط، بل من حقيقة أن الاقتصاد العالمي الحديث، رغم اتساعه وتعقيده، ما يزال معرضاً لتأثير عميق يصدر عن ممر بحري واحد محدود المساحة. وحين يضيق هذا الممر أو يعمل تحت ضغط التهديد، فإن الأثر لا يقتصر على ناقلات النفط، بل يمتد إلى هوامش الأمان في الاقتصاد الدولي كله. ولهذا فإن هرمز ليس مسألة خليجية ذات امتدادات عالمية فحسب، بل مسألة عالمية كاملة يقع مركزها الجغرافي في الخليج، فيما تتوزع آثارها على أسواق الطاقة والتمويل وسلاسل الإمداد عبر العالم.


تعزيز صلابة القطاع المالي الخليجي واستجابة البنوك المركزية لتداعيات الحرب

لم تعد التطورات الإقليمية المرتبطة بإيران تُقرأ من زاوية الطاقة والتجارة فقط، بل باتت تُقاس أيضاً بقدرة الأنظمة المالية على امتصاص الصدمة قبل أن تتحول إلى أزمة ثقة، أو شحّ في السيولة، أو اضطراب في أنظمة الدفع. وهذا ما يفسر أن الخطاب النقدي والرقابي في الخليج تحرك سريعًا من منطق المراقبة إلى منطق الجاهزية الفعلية. وقد جاء هذا التحول متسقاً مع تحذير صندوق النقد الدولي، في تقريره للاستقرار المالي الصادر في 14 أبريل 2026، من أن الحرب في الشرق الأوسط رفعت مخاطر الاستقرار المالي، وأن أولويات صانعي السياسات ينبغي أن تشمل جاهزية مرافق السيولة والتمويل، ومراقبة انتقال الضغوط التضخمية إلى التوقعات، وتعزيز المرونة المؤسسية والرقابية.

من الطمأنة  إلى التفعيل المنظم للأدوات

اللافت في الاستجابة الخليجية أنها لم تُبنَ على افتراض وجود أزمة مصرفية قائمة، بل على افتراض ضرورة منع الصدمة الجيوسياسية من أن تتسرب إلى التمويل والائتمان وسلوك السوق. وبمعنى أدق، فإن البنوك المركزية الخليجية لم تتدخل لإنقاذ قطاع متعثر، بل لتحويل القوة الوقائية المتراكمة خلال السنوات الماضية إلى أدوات تشغيلية قابلة للاستخدام وقت الضغط. وهذا فارق جوهري؛ لأنه يكشف أن المقاربة لم تكن انفعالية، بل احترازية استباقية، هدفها إبقاء قنوات التمويل والدفع مفتوحة، ومنع المبالغة في التشدد المصرفي، وصون الثقة في ظل بيئة إقليمية عالية عدم اليقين.

 

الإمارات: حزمة شاملة

لتحويل المصدات إلى قدرة فعلية

 

في الإمارات، ظهرت الاستجابة الأكثر تكاملًا من حيث الأدوات المعلنة. ففي 17 مارس 2026، أقر مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي حزمة استباقية لتعزيز مرونة المؤسسات المالية، مدعومة بأصول تجاوزت تريليون درهم. وشملت الحزمة خمسة محاور واضحة: توسيع النفاذ إلى الأرصدة الاحتياطية حتى 30% من متطلبات الاحتياطي النقدي، وإتاحة تسهيلات سيولة آجلة بالدرهم والدولار، وتخفيفا مؤقتاً في نسب السيولة والتمويل المستقر، وإفراجًا مؤقتًا عن الهوامش الرأسمالية، فضلًا عن مرونة في إدارة تصنيف القروض المتأثرة بالظروف الاستثنائية. والأهم في هذه الحزمة أنها جمعت بين السيولة ورأس المال والمخاطر الائتمانية في إطار واحد، بما يعكس إدراكاً لطبيعة الصدمة المركبة التي قد تضغط، في الوقت نفسه، على التمويل والثقة والنشاط الاقتصادي.

 

الكويت: استمرارية تشغيلية أولاً

ثم تيسير احترازي موجَّه

 

أما الكويت، فقد قدمت نموذجاً متدرجاً وعملياً. ففي 8 مارس 2026، شدد بنك الكويت المركزي على أن القطاع المصرفي يعمل بدرجة عالية من الجاهزية، وأن أنظمة المدفوعات والتسويات، بما فيها الأنظمة العاملة على مدار الساعة وخدمة «ومض»، تواصل عملها بصورة مستقرة، مع تأكيد أن مؤشرات السيولة وكفاية رأس المال تتجاوز المتطلبات الرقابية بهوامش مريحة. ثم انتقل البنك المركزي، في 26 مارس 2026، من مرحلة الطمأنة التشغيلية إلى مرحلة التيسير الاحترازي الموجَّه، عبر حزمة شملت خفض بعض معايير السيولة، مثل نسبة تغطية السيولة، ونسبة صافي التمويل المستقر، ونسبة السيولة الرقابية، ورفع الحدود القصوى للفجوات التراكمية في نظام السيولة، وزيادة الحد الأقصى للإقراض المتاح، والإفراج عن جزء من هامش رأس المال التحوطي. وتعكس هذه المقاربة فهماً دقيقاً لوظيفة البنك المركزي في لحظة الصدمة: ليس فقط حماية التشغيل، بل أيضاً منع انكماش الائتمان في توقيت يتسم بحساسية اقتصادية عالية.

 

قطر: وفرة سيولة وتحرك وقائي مبكر

 

في قطر، جاءت الرسالة مباشرة وواضحة: النظام المالي قوي، لكن الحذر يقتضي التحرك المبكر. ففي 29 مارس 2026، أعلن مصرف قطر المركزي أن مراجعة أوضاع القطاع أكدت بقاء السيولة قوية، وارتفاع مستويات رأس المال فوق المتطلبات التنظيمية، وتوافر مخصصات جيدة ضد مخاطر الائتمان. وعلى هذا الأساس، أعلن المصرف المركزي توفير عمليات إعادة شراء غير محدودة بالريال القطري مقابل الأوراق المالية المؤهلة، وإطلاق تسهيل «ريبو» جديد بآجال تصل إلى ثلاثة أشهر، وخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي على الودائع من 4.5% إلى 3.5%، مع السماح للبنوك بمنح العملاء المتأثرين خيار تأجيل أصل القروض والفوائد لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، وفق الضوابط الإشرافية. وهذا النوع من التحرك يركز على صلب المسألة: توفير وفرة سيولة استباقية تمنع توتر السوق النقدية، وتمنح المقترضين قدراً محدوداً، لكن مهماً، من التكيف.

 

البحرين: تشديد رقابي

وجاهزية تشغيلية واستمرارية أعمال

 

في البحرين، اتخذت الاستجابة شكلًا مختلفاً، أقل اعتماداً على حزم سيولة واسعة، وأكثر ارتكازاً إلى الانضباط الرقابي والجاهزية المؤسسية. ففي 11 مارس 2026، أكد مصرف البحرين المركزي أن القطاع المصرفي والمالي يواصل العمل بصورة طبيعية وبأعلى درجات الجاهزية، مع استمرار التنسيق الوثيق مع البنوك وشركات التأمين والمؤسسات المالية لضمان عدم انقطاع الخدمات، والتأكيد على كفاءة أنظمة الدفع، وارتفاع مستويات الجاهزية السيبرانية والأمنية. ويستند هذا النهج إلى قاعدة متينة؛ إذ أظهر تقرير الاستقرار المالي الصادر عن المصرف أن القطاع احتفظ، خلال عام 2024، بمصدات رأسمالية وسيولة كافية، وبلغت نسبة كفاية رأس المال 21.2% في ديسمبر 2024. ومن ثم، فإن البحرين اختارت أن تجعل من «الرقابة اليقظة» و«استمرارية الأعمال» أداتها الأساسية في احتواء المخاطر، بدل اللجوء المباشر إلى تخفيفات نقدية أو احترازية واسعة.

 

السعودية وعُمان: اعتماد على المتانة الاحترازية

بدل التدخلات الاستثنائية

 

في السعودية وعُمان، لا تظهر حتى الآن حزم دعم نقدي طارئة معلنة بالوضوح الذي شهدته بعض الاقتصادات الخليجية الأخرى، بقدر ما يبرز الاعتماد على قوة المصدات الاحترازية المتراكمة واستمرار المتابعة الرقابية اللصيقة للتطورات. ففي السعودية، تعكس المؤشرات الاقتصادية والمالية قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة، رغم الضغوط الناتجة عن التطورات الإقليمية، مع تأكيد السلطات على اتخاذ ما يلزم لحماية الاستقرار. وفي عُمان، تشير المعطيات المتاحة إلى استمرار متانة القطاع المصرفي مدعوماً بمستويات مريحة من رأس المال والسيولة، في نهج يقوم على الجاهزية المؤسسية والاعتماد على الصلابة السابقة أكثر من اللجوء إلى تدخلات استثنائية واسعة.

 

أربع ركائز تحكم المقاربة الخليجية

 

ومن قراءة هذه الاستجابات مجتمعة، يمكن القول إن هناك أربع ركائز تحكم المقاربة الخليجية الحالية. الأولى هي تأمين السيولة سريعاً عبر أدوات الريبو، وخفض الاحتياطي، وتوسيع النفاذ إلى التمويل قصير الأجل. والثانية هي الاستخدام المنظم للمصدات الاحترازية، بدل إبقائها متجمدة في الجانب النظري من الإطار الرقابي. والثالثة هي تحصين الاستمرارية التشغيلية لأنظمة الدفع والتسويات والبنية الرقمية، بما في ذلك الأمن السيبراني وخطط الطوارئ. أما الرابعة فهي تخفيف الضغوط على المقترضين المتأثرين بصورة مؤقتة وموجهة، حتى لا تتحول الصدمة الجيوسياسية إلى دورة ائتمانية انكماشية تضر الاقتصاد الحقيقي. وقد ظهرت هذه العناصر بدرجات متفاوتة في الإمارات والكويت وقطر والبحرين، مع حضور أكثر غير مباشر لها في السعودية وعُمان عبر قوة الأطر الاحترازية الأساسية.

 

الرسالة الأهم:لا فصل بين الاستقرار المالي وسرعة الاستجابة

ما تكشفه هذه المرحلة هو أن الاستقرار المالي في الخليج لم يعد يُقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو قوة الميزانيات العمومية، بل أيضًا بسرعة تحويل هذه القوة إلى تدخل منظم حين ترتفع المخاطر. فالأسواق، في لحظات الاضطراب، لا تختبر الأرقام وحدها، بل تختبر كذلك قدرة المؤسسات النقدية على الإشارة المبكرة، وتوفير السيولة عند الحاجة، ومنح القطاع المالي مرونة محسوبة من دون الإضرار بالانضباط الرقابي. ولهذا تبدو التحركات الخليجية الأخيرة مهمة ليس فقط لأنها دعمت الاستقرار في المدى القصير، بل لأنها رسخت أيضًا فكرة أن الحيطة الاحترازية ليست هدفًا قائمًا بذاته، بل مخزونًا ينبغي أن يصبح قابلًا للاستخدام عند اللحظة الحرجة.

في المحصلة، لم تتعامل البنوك المركزية الخليجية مع أعقاب الحرب والتطورات الإقليمية المرتبطة بإيران بوصفها حدثًا سياسيًا خارجيًا فحسب، بل بوصفها اختبارًا مباشرًا لقدرة النظام المالي على الاستمرار تحت الضغط. ومن هنا جاءت الاستجابة مزدوجة: تأكيد أن الأسس المالية لا تزال قوية، وتفعيل أدوات احترازية ونقدية وتشغيلية تمنع انتقال الصدمة إلى الثقة والسيولة والائتمان. وهذه هي القيمة الحقيقية لما شهدناه خليجيًا في الأسابيع الأخيرة: ليس مجرد رد فعل على أزمة، بل ممارسة مؤسسية ناضجة تجعل من المرونة الرقابية خط الدفاع الأول عن الاستقرار المالي.


الحروب والاقتصاد العالمي: كلفة ممتدة ومفاضلات مالية أكثر تعقيداً

في قراءة اقتصادية تحمل دلالات تتجاوز ساحات القتال، خلصت مدونة لصندوق النقد الدولي، إلى أن الحروب لا تتسبب فقط في خسائر بشرية ومادية فادحة، بل تخلّف كذلك آثارًا اقتصادية ممتدة قد تستمر لسنوات طويلة، فيما تفتح زيادة الإنفاق الدفاعي الباب أمام خيارات مالية معقدة حتى في الدول غير المنخرطة مباشرةً في النزاعات. ويستند الطرح إلى فصلين تحليليين في عدد أبريل 2026 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي.

الحروب لا تتسبب فقط في خسائر بشرية ومادية فادحة، بل تخلّف كذلك آثارًا اقتصادية قد تستمر لسنوات طويلة.

الاقتصادات التي تشهد حروبًا تتعرض عادةً لانكماش حاد منذ المراحل الأولى للصراع.

الاقتصادات المجاورة والشركاء التجاريون يشعرون بوطأة الصدمة عبر التجارة والاستثمار وتزايد عدم اليقين.

 

ويشير التحليل إلى أن الاقتصادات التي تشهد حروبًا تتعرض عادةً لانكماش حاد في النشاط الاقتصادي منذ المراحل الأولى للصراع. فبحسب نتائج الصندوق، ينخفض الناتج في البلدان التي تدور فيها الحروب بنحو 3% في البداية، ثم تتراكم الخسائر لتقترب من 7% خلال خمس سنوات، مع بقاء الندوب الاقتصادية قائمة حتى بعد مرور عقد في بعض الحالات. ويرى التقرير أن هذه الخسائر قد تكون أشد من تلك المرتبطة بأزمات مالية حادة أو كوارث طبيعية كبرى.

ولا تقف التداعيات عند حدود الدول المتحاربة. فالتقديرات الواردة في المقال توضح أن الاقتصادات المجاورة، وكذلك الشركاء التجاريين الرئيسيين للبلد المتضرر، يشعرون بدورهم بوطأة الصدمة عبر التجارة والاستثمار وتزايد عدم اليقين. وفي الحروب الكبرى، تتراجع الإيرادات العامة مع انكماش النشاط الاقتصادي، بينما ترتفع النفقات الدفاعية وتتسع فجوات الموازنات، الأمر الذي يدفع مستويات الدين إلى الصعود في لحظة تكون فيها الحكومات أصلًا تحت ضغط مالي وسياسي كبير.

كما يلفت المقال إلى أن الصراع يضغط على القطاع الخارجي أيضًا. فمع أن الواردات قد تنخفض بسبب ضعف الطلب، فإن الصادرات غالبًا ما تتراجع بوتيرة أكبر، بما يوسع العجز التجاري مؤقتًا. ويتزامن ذلك مع خروج رؤوس الأموال، وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، وتدفقات المحافظ، فضلًا عن ضغوط على سعر الصرف والاحتياطيات وارتفاع التضخم، ما يدفع السلطات النقدية في كثير من الأحيان إلى تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة، رغم هشاشة البيئة الاقتصادية.

وفي المقابل، يناقش صندوق النقد بُعدًا آخر لا يقل أهمية، هو الزيادة المتسارعة في الإنفاق الدفاعي عالميًا تحت ضغط التوترات الجيوسياسية. فهذه الزيادة قد تعطي دفعة قصيرة الأجل للطلب عبر تحفيز بعض أوجه الاستثمار والاستهلاك، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالدفاع، لكنها لا تضمن بالضرورة مكاسب نمو كبيرة أو مستدامة. ويشير التحليل إلى أن أثرها الكلي على الناتج يبقى محدودًا في كثير من الحالات، وأن النتائج تختلف تبعًا لطريقة التمويل، وطبيعة الإنفاق، وحجم الاعتماد على الواردات العسكرية.

وبحسب الدراسة التي استعرضت طفرات كبيرة في الإنفاق الدفاعي في 164 بلدًا منذ الحرب العالمية الثانية، فإن هذه الطفرات تستمر عادةً لنحو ثلاث سنوات، وتزيد الإنفاق العسكري بنحو 2.7 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. لكن الكلفة المالية لا تتأخر في الظهور؛ إذ يتفاقم العجز بنحو 2.6 نقطة مئوية من الناتج المحلي، ويرتفع الدين العام بنحو 7 نقاط مئوية خلال ثلاث سنوات من بداية الطفرة، بينما تقفز هذه الزيادة إلى نحو 14 نقطة مئوية في أوقات الحرب.

ويحذر المقال من أن تمويل هذا الإنفاق بالعجز قد يمنح الاقتصاد دفعة مؤقتة، لكنه قد يفاقم مواطن الضعف في المالية العامة على المدى المتوسط، خاصةً في البلدان ذات الحيز المالي المحدود. أما تمويله عبر زيادة الإيرادات أو إعادة ترتيب أولويات الموازنة، فيعني غالبًا اقتطاع موارد من بنود اجتماعية وتنموية حساسة مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وهي مفاضلات تعكس الثمن الاقتصادي غير المباشر لتصاعد المخاطر الأمنية.

وفي مرحلة ما بعد الحرب، لا يبدو التعافي تلقائيًا أو سريعًا. فبحسب صندوق النقد، يتوقف مسار التعافي إلى حد كبير على استدامة السلام. وإذا توافر قدر معقول من الاستقرار، يعود الناتج إلى التحسن تدريجيًا، لكن غالبًا من دون تعويض كامل للخسائر السابقة. أما إذا عادت الصراعات للاندلاع، فإن التعافي يتعثر أو يتوقف. ويؤكد التحليل أن النجاح في هذه المرحلة يتطلب مزيجًا من الاستقرار الاقتصادي الكلي، وإعادة هيكلة الدين عند الحاجة، ودعمًا دوليًا مبكرًا، إلى جانب إصلاحات مؤسسية تعيد بناء قدرات الدولة وتدعم عودة النازحين واستئناف النشاط الإنتاجي.

وخلاصة الرسالة التي يقدمها المقال أن كلفة الحرب لا تُقاس فقط بما تدمره في الحاضر، بل أيضًا بما تفرضه من تراجع طويل في الإنتاجية، وتآكل في رأس المال، وتضييق للخيارات المالية أمام الحكومات. ومن هذا المنظور، فإن بناء السلام، وتقليص عدم اليقين، وتصميم سياسات متناسقة لإعادة الإعمار والاستقرار، لا تمثل مجرد خيار سياسي، بل شرطًا اقتصاديًا أساسيًا لتفادي تحول الصدمات المؤقتة إلى خسائر دائمة.


النفط ومستقبل الأسعار: بين صدمات الجغرافيا السياسية وحدود الاقتصاد العالمي وإعادة تشكيل سوق الطاقة

لم تعد سوق النفط في ربيع 2026 تُقرأ بمنطق التوازن التقليدي بين العرض والطلب وحده. فالحرب الراهنة في الشرق الأوسط دفعت السوق إلى تسعير النفط باعتباره أصلاً جيوسياسيًا بقدر ما هو سلعة طاقية. والنتيجة أن الأسعار لم تعد تعكس فقط حجم البراميل المنتجة أو المستهلكة، بل أيضًا مستوى المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية، وتكاليف التأمين والنقل، واحتمال تعطل الإمدادات، وحدود قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل صدمة طاقة ممتدة. إدارة معلومات الطاقة الأميركية أشارت في توقعاتها لشهر أبريل 2026 إلى أن السوق انتقلت من توقعات كانت تميل إلى تراكم المخزونات إلى بيئة عجز واضطراب، مع توقع أن يبلغ متوسط خام برنت 115 دولاراً للبرميل في الربع الثاني، قبل أن يتراجع لاحقاً إذا بدأت التدفقات في التعافي التدريجي.

غير أن الأهم من السعر نفسه هو طبيعة الصدمة. فالسوق لا تواجه مجرد خفض في الإنتاج، بل اختناقاً في واحدة من أكثر نقاط الطاقة حساسية في العالم. رويترز نقلت عن محللين أن الحرب قلبت توقعات 2026 من فائض متوقع إلى عجز فعلي، فيما ظلت حركة العبور عبر مضيق هرمز مقيدة بشدة حتى بعد الإعلان عن هدنة هشة. كما أكدت تصريحات رئيس «أدنوك» في 9 أبريل أن المضيق ما زال، عملياً، في حالة إغلاق أو شبه إغلاق، وأن مئات السفن المحملة بقيت عالقة أو متباطئة الحركة، بما جعل الأمن الطاقي والاقتصادي العالميين رهينة لإعادة الفتح غير المشروط للممر.

ومن هنا، فإن ما نراه في الأسعار ليس «علاوة حرب» نفسية فحسب، بل إعادة تسعير كاملة لمخاطر الإمداد. فقد أغلقت عقود برنت عند 95.20 دولارًا للبرميل في 10 أبريل بعد أسبوع شديد التقلب، رغم أنها سجلت قبل أيام مستويات قاربت 120 دولارًا، بينما شهدت السوق المادية أسعارًا أقرب إلى 150 دولارًا لبعض الخامات الفورية، وهو ما يعكس حالة هلع حقيقي لدى المشترين الصناعيين والمصافي الباحثة عن براميل قابلة للتسليم الفوري، لا مجرد رهانات ورقية في سوق العقود الآجلة. هذا الفارق بين السوق الورقية والسوق المادية بالغ الدلالة، لأنه يكشف أن الاختلال ليس مالياً فقط، بل لوجستياً وتشغيلياً أيضاً.

 

أولاً : لماذا بقي النفط مرتفعاً رغم الحديث عن الهدنة؟

 

السبب المباشر هو أن التهدئة السياسية لا تعني تلقائياً عودة التدفقات الفعلية. فالسوق تعلم أن إصلاح البنية التحتية، واستعادة الطاقة الإنتاجية، وإعادة تشغيل خطوط الأنابيب والمرافئ، كلها عمليات أبطأ كثيراً من الإعلانات السياسية. رويترز ذكرت أن نحو 7.5 مليون برميل يومياً من خام الشرق الأوسط كانت لا تزال خارج السوق في مارس، مع توقع ارتفاع الانقطاعات إلى 9.1 ملايين برميل يومياً في أبريل، في حين أوردت تحليلات أخرى أن الإمدادات المفقودة أو المعطلة قد تكون أعلى من ذلك إذا احتُسب أثر الإغلاقات اللوجستية واتساع الضرر في مرافق الطاقة الخليجية. كما أن قرار «أوبك+» زيادة إنتاج مايو بمقدار 206 آلاف برميل يومياً رُبط، عملياً، بإعادة فتح هرمز، ما جعل الزيادة أقرب إلى رسالة سياسية منها إلى إمدادات فورية مضمونة.

بعبارة أخرى، السوق لا تسعّر فقط وقف إطلاق النار، بل تسعّر سؤالًا أكثر عمقاً: هل عاد النفط فعلًا إلى الحركة الطبيعية؟ وما دام الجواب غير محسوم، فإن الأسعار ستظل أعلى من مستويات ما قبل الحرب، حتى إذا هدأت العناوين العسكرية مؤقتاً. لهذا بدا أن أي هبوط في برنت خلال الأيام الأخيرة كان هبوطاً تكتيكياً، لا تحولًا استراتيجياً في اتجاه السوق.

 

ثانيًا: ما حدود الارتفاع؟

ولماذا لا يستطيع النفط الانفلات بلا سقف؟

 

على الرغم من حدة صدمة العرض، فإن للنفط حدوداً يفرضها الاقتصاد العالمي. فكل ارتفاع كبير في الأسعار يبدأ كصدمة إمداد، لكنه يتحول سريعاً إلى ضغط على الطلب والنمو والتضخم. رئيس البنك الدولي قال في 10 أبريل إن الحرب قد تخصم ما بين 0.3 و0.4 نقطة مئوية من النمو العالمي، حتى في أفضل السيناريوهات، وقد تصل الخسارة إلى نقطة مئوية كاملة إذا طال أمد الصراع. كما أشار إلى أن التضخم قد يتسارع بوضوح، خصوصاً في الأسواق الناشئة. وهذه مسألة جوهرية، لأن النفط لا يستطيع البقاء طويلًا عند مستويات شديدة الارتفاع إذا كان الثمن هو كبح الاستهلاك الصناعي، وإضعاف النقل، وإرباك الدورة الاقتصادية العالمية.

إلى جانب ذلك، هناك سقف سياسي. فالولايات المتحدة بدأت استخدام الاحتياطي الاستراتيجي على نحو أوسع، مع قروض جديدة بلغت 8.48 ملايين برميل في 10 أبريل، ضمن خطة أكبر تمتد إلى 2027، وبالتنسيق مع تحركات أوسع داخل وكالة الطاقة الدولية. كما أن واشنطن تميل، بحسب رويترز، إلى تمديد بعض الإعفاءات المرتبطة بالنفط الروسي لتخفيف صدمة الحرب على السوق العالمية. هذه الأدوات لا تمحو الاختلال، لكنها تمنع تحوله بسهولة إلى انفجار سعري مفتوح الأمد.

 

ثالثًا: سيناريوهات الأسعار بعد الحرب الحالية

 

  1. سيناريو التهدئة الفعلية والتعافي التدريجي

إذا ثبتت الهدنة، واستعادت الشحنات عبر هرمز جزءاً كبيراً من انسيابها، وبدأت إصلاحات البنية التحتية تؤتي أثراً ملموساً، فإن السوق ستبقي على علاوة مخاطر فوق مستويات ما قبل الحرب، لكنها ستبدأ في الهبوط التدريجي خلال النصف الثاني من العام. في هذا السيناريو، تبدو منطقة 80–90 دولاراً لخام برنت أقرب إلى التوازن المرجح في أواخر 2026، وهو ما ينسجم مع توقعات Barclays بمتوسط 85 دولاراً في 2026 إذا تعافت التدفقات سريعاً، ومع تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية التي تشير إلى هبوط برنت إلى ما دون 90 دولارًا في الربع الرابع من العام. هذا ليس سيناريو «انهيار أسعار»، بل سيناريو عودة تدريجية إلى سوق أقل توتراً وأكثر قابلية للإدارة.

 

  1. سيناريو الهدنة الهشة والتعافي البطيء

وهذا، في تقديري، هو السيناريو الأقرب إلى الواقع في الأجل القصير. فالتوتر العسكري قد ينخفض، لكن تعافي الإمدادات والنقل والتأمين سيظل أبطأ. هنا تميل الأسعار إلى البقاء في نطاق مرتفع ومتذبذب، ربما بين 95 و110 دولارات للبرميل، مع هبوط مؤقت كلما تحسن المزاج السياسي، وارتداد سريع كلما ظهرت إشارات على أن الممرات لم تعد إلى طبيعتها أو أن الإصلاحات أبطأ من المتوقع. هذا السيناريو ينسجم مع سلوك السوق الحالية، حيث هبطت الأسعار من قممها، لكنها بقيت بعيدة عن مستويات ما قبل الحرب، وظل المعروض الفعلي تحت ضغط واضح.

 

  1. سيناريو إعادة التصعيد أو فشل إعادة الفتح اللوجستي

إذا عادت الضربات إلى البنية التحتية، أو بقي هرمز معطلًا فعلياً رغم أي تفاهمات سياسية، فإن السوق قد تعود سريعاً إلى مستويات 120–150 دولاراً للبرميل، وربما أعلى في السوق المادية لبعض الخامات الفورية. وقد رأينا بالفعل في 7 أبريل كيف اقتربت الأسعار الفعلية لبعض الشحنات من 150 دولاراً. هذا السيناريو لا يحتاج إلى حرب شاملة جديدة بقدر ما يحتاج إلى تعطل فعلي ممتد في الممرات أو في قدرة المنتجين الخليجيين على استعادة التدفقات. هنا تصبح السوق رهينة الندرة الفورية، لا مجرد توقعات المتداولين.

 

رابعًا: ما الذي تعيد هذه الحرب

تشكيله في سوق الطاقة؟

 

الأثر الأعمق للحرب الحالية لا يقتصر على السعر اللحظي، بل يمتد إلى بنية السوق نفسها. فالعالم يكتشف مجدداً أن أمن الطاقة لا يُقاس فقط بالطاقة الإنتاجية، بل بسلامة الممرات البحرية، وبوجود بدائل لوجستية، وبمرونة التخزين، وبقدرة الدول على إدارة الصدمات. ومن المرجح أن تترسخ، بعد هذه الأزمة، علاوة مخاطر جيوسياسية أعلى من السابق، حتى إذا هبطت الأسعار لاحقًا. كما ستزداد أهمية خطوط الأنابيب البديلة، والطاقة الاحتياطية القابلة للتشغيل السريع، والمخزونات الاستراتيجية، وسياسات تنويع الإمدادات. ومعنى ذلك أن ما بعد الحرب لن يكون مجرد عودة إلى نقطة البداية، بل انتقالًا إلى سوق أكثر حساسية للموقع الجغرافي والممرات والسيادة الطاقية.

 

بين علاوة الحرب وحدود الاقتصاد

 

الخلاصة، من منظور اقتصادي نفطي رصين، أن النفط في 2026 يتحرك بين قوتين متعارضتين. الأولى تدفع الأسعار إلى الأعلى: تعطل الإمدادات، واختناق الشحن، واستهداف البنية التحتية، وعلاوة المخاطر الجيوسياسية. والثانية تكبح الارتفاع: ضعف قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل أسعار مرتفعة لفترة طويلة، وتدخل الحكومات عبر المخزونات والإعفاءات والسياسات التخفيفية. لذلك، فإن القراءة الأكثر اتزاناً ليست الحديث عن انفجار سعري دائم، ولا عن عودة سريعة إلى ما قبل الحرب، بل عن سوق أعادت تسعير النفط ضمن نطاق أعلى وأكثر تقلباً. وفي تقديري، سيظل السؤال الحاسم خلال ما تبقى من 2026 هو: هل يتعافى هرمز فعليًا كنقطة عبور مستقرة، أم يبقى التعافي السياسي أسرع من التعافي اللوجستي؟ الجواب عن هذا السؤال وحده هو الذي سيحدد ما إذا كان برنت سيتجه إلى منطقة 80–90 دولاراً، أم سيبقى قرب 95–110، أم يعيد اختبار نطاق 120–150 دولاراً من جديد.


الذهب في 2026: بين التحوّط الاستراتيجي وتقلبات الدورة الاقتصادية في ظل بيئة جيوسياسية مضطربة

لم يعد الذهب في عام 2026 أصلًا يمكن تفسير حركته من خلال متغير واحد أو منطق خطي بسيط. فالسوق الحالية لا تتيح قراءة المعدن الأصفر بوصفه مجرد ملاذ آمن تقليدي، كما لا تسمح باختزاله في كونه أصلًا يتفاعل آلياً مع التضخم، أو مع أسعار الفائدة، أو مع تقلبات الدولار. ما يتكشف بصورة أوضح هذا العام هو أن الذهب بات يتحرك عند نقطة التقاء ثلاثة مسارات كبرى: تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وإعادة تسعير السياسة النقدية العالمية، واستمرار الطلب الاستراتيجي طويل الأجل من البنوك المركزية والمستثمرين الساعين إلى تنويع الاحتياطيات والتحوط من تآكل القوة الشرائية. ومن ثم، فإن سلوكه في 2026 يبدو أكثر تعقيدًا من دورات سابقة: متين في أساسياته، لكنه عرضة لتقلبات حادة في الأجل القصير.

ويُظهر المسار السعري منذ بداية العام هذه الطبيعة المركبة بوضوح. فقد سجل الذهب قمة تاريخية عند 5,594.82 دولاراً للأونصة في يناير 2026، قبل أن يدخل لاحقاً في موجة تصحيح ملحوظة تزامنت مع ضغوط سيولة، وارتفاع حساسية الأسواق لمخاطر التضخم، وتراجع رهانات الخفض السريع للفائدة. ثم عاد المعدن إلى قدر من التماسك في أواخر مارس، حين بلغ السعر الفوري 4,552.94 دولاراً في 25 مارس. ولا ينبغي النظر إلى هذه الحركة باعتبارها مجرد تذبذب اعتيادي في سوق سلعية، بل باعتبارها تعبيراً عن إعادة تسعير مستمرة لأصل يجمع في الوقت نفسه بين صفات التحوط الدفاعي وصفات الأصل المالي المتأثر بالعوائد الحقيقية وكلفة الفرصة البديلة.

 

الطلب الاستراتيجي: الأساس الصلب الذي لم يتغير

 

رغم حدة التقلبات، فإن الركيزة البنيوية الداعمة للذهب لا تزال قائمة. فبحسب البيانات الواردة في النص، تجاوز إجمالي الطلب العالمي على الذهب في 2025 حاجز 5,000 طن للمرة الأولى، مدفوعًا بتداخل الطلب الاستثماري والتحوطي والرسمي، فيما سجل المعدن أكثر من 50 قمة تاريخية خلال العام، وحقق عائدًا تجاوز 60%. كما بلغت قيمة  الطلب العالمي نحو 555 مليار دولار، وهي مستويات تؤكد أن الذهب لم يعد يُعامل في الأسواق باعتباره مجرد أداة ادخار تقليدية أو أصلًا للمضاربة الظرفية، بل كأحد أهم أصول التحوط في بيئة عالمية تتزايد فيها المخاطر السياسية والنقدية والمالية في آن واحد.

وتكتسب هذه القراءة مزيداً من المصداقية عند النظر إلى سلوك البنوك المركزية. فقد أضافت هذه المؤسسات 863 طنًا من الذهب خلال 2025، وهو مستوى يظل مرتفعاً تاريخياً، حتى لو جاء دون مستويات الأعوام الثلاثة السابقة. كما واصلت الصين الشراء للشهر السابع عشر على التوالي حتى نهاية مارس 2026، لترتفع حيازاتها إلى 74.38 مليون أونصة تروي. والأهمية هنا لا تكمن في الرقم المجرد فحسب، بل في دلالته؛ إذ يعكس استمرار توجه رسمي أوسع لإعادة بناء مكونات الاحتياطيات على نحو يقلص الانكشاف النسبي على الدولار والأصول المالية التقليدية. وهذا يمنح الذهب سنداً استراتيجياً لا يرتبط فقط بمزاج المستثمرين أو تدفقات الصناديق، بل باعتبارات سيادية طويلة الأجل.

غير أن هذه القوة البنيوية لا تعني غياب التصحيح، ولا تلغي حقيقة أن الذهب، بوصفه أصلًا مالياً متداولًا، يظل عرضة لموجات بيع حادة عندما تختل توازنات السيولة والعوائد. فعندما ترتفع الأسعار بسرعة، وتُبنى مراكز استثمارية كبيرة على فرضية استمرار الصعود، يصبح السوق أكثر حساسية لأي تغير مفاجئ في توقعات التضخم أو الفائدة أو الدولار. وهذا ما يفسر لماذا ظهر الذهب في بعض فترات الربع الأول من 2026 قوياً من الناحية الاستراتيجية، لكنه هش تكتيكياً في المدى القصير. فالمشكلة لم تكن في تدهور منطق الذهب، بل في إعادة معايرة مراكز المستثمرين داخل بيئة أكثر عصبية وتشدداً.

 

الجغرافيا السياسية: دعم مباشر وضغط غير مباشر

 

لطالما استفاد الذهب من التوترات الجيوسياسية، لكن خصوصية 2026 تتمثل في أن الصدمة الحالية لا تقتصر على تغذية الطلب على الأمان، بل تمتد إلى توليد صدمة طاقة، ورفع الضغوط التضخمية، والتشويش على مسار السياسة النقدية. فالمواجهة الإقليمية الراهنة، وما ارتبط بها من تعطّل أو تهديد لمسارات الطاقة والنقل في المنطقة، أعادت تعريف وظيفة الذهب في نظر الأسواق: لم يعد فقط أداة للتحوط من الحرب، بل أصبح أيضاً أداة للتحوط من آثار الحرب على النفط والتضخم والسيولة والدولار. ولهذا، فإن صعوده في هذه المرحلة لا يمكن اعتباره استجابة نفسية للخوف فحسب، بل استجابة اقتصادية لتسعير نطاق أوسع من المخاطر.

لكن هذا العامل ذاته يحمل وجهاً ضاغطاً على الذهب. فكلما أدى التصعيد إلى رفع أسعار الطاقة وإنعاش التضخم، تقلصت قدرة البنوك المركزية الكبرى على الانتقال السريع إلى التيسير. وهنا يجد الذهب نفسه بين منفعتين متعارضتين: فهو يستفيد من الخوف وعدم اليقين، لكنه يتأذى في الوقت نفسه من ارتفاع العوائد الحقيقية أو من تمديد أفق الفائدة المرتفعة. وهذه المعادلة تفسر إلى حد بعيد لماذا لم يتحول الذهب في 2026 إلى مسار صاعد مستقيم، رغم استمرار التوترات. فالسوق لا تسعّر الحدث الجيوسياسي في ذاته فقط، بل تسعّر أيضاً أثره في خيارات البنوك المركزية وفي تكلفة الاحتفاظ بالأصول غير المدرّة للعائد.

 

الفائدة والتضخم:

العامل الحاسم في إعادة ضبط التوقعات

 

العامل النقدي يظل الأكثر حساسية في تفسير حركة الذهب. فالاحتياطي الفيدرالي أبقى في 18 مارس 2026 أسعار الفائدة دون تغيير، وأكد أن التضخم لا يزال مرتفعاً بدرجة ما، وأن عدم اليقين بشأن الآفاق الاقتصادية ما زال قائماً، كما أشار إلى أن تداعيات تطورات الشرق الأوسط على الاقتصاد الأميركي ليست محسومة بعد. هذه الرسائل مهمة للغاية، لأنها لا تعني فقط استمرار التثبيت، بل تعني أيضاً أن البنك المركزي الأميركي لا يرى بيئة مريحة تتيح له خفضًا سريعًا أو واسع النطاق للفائدة. وبالنسبة إلى الذهب، فإن هذا يعني بقاء عنصر الضغط المرتبط بالعوائد الحقيقية وكلفة الفرصة البديلة حاضراً في السوق.

وجاءت بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأميركي لشهر مارس لتزيد المشهد تعقيدًا. فقد ارتفع المؤشر 0.9% على أساس شهري، و3.3% على أساس سنوي، بينما سجل المؤشر الأساسي 2.6%، وارتفعت الطاقة 12.5% على أساس سنوي، مع قفزة شهرية قوية للبنزين وارتفاع ملحوظ في أسعار تذاكر الطيران. وهذه الأرقام مهمة، لأنها تشير إلى أن التضخم لم يعد محصوراً في المكونات التقليدية، بل عاد إليه عنصر الطاقة والنقل بقوة. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الذهب أصلًا يستفيد من استمرار المخاوف التضخمية، لكنه، في الوقت ذاته، يظل معرضاً للضغط متى ما دفعت تلك المخاوف البنوك المركزية إلى إبطاء، أو تأجيل، أي تحول نحو سياسة نقدية أقل تشدداً.

والوضع الأوروبي لا يختلف كثيراً في جوهره. فالبنك المركزي الأوروبي أبقى في 19 مارس 2026 على أسعار الفائدة دون تغيير، مع تأكيد أن الحرب في الشرق الأوسط زادت غموض التوقعات، ورفعت مخاطر التضخم، وأضعفت آفاق النمو. وهذه بيئة معروفة تاريخياً بدعمها النسبي للذهب على المدى المتوسط، لكنها في الأجل القصير تعزز التذبذب، لأن البنوك المركزية تصبح أكثر حذراً، والأسواق تصبح أقل يقيناً بشأن مسار الفائدة الحقيقي. ومن هنا، فإن الذهب لا يواجه في 2026 تضاداً بين «الخوف» و«الاطمئنان»، بل تضادًا أكثر تعقيداً بين تحوّط جيوسياسي مستمر وقيود نقدية لم تُفكك بعد.

 

صناديق الاستثمار:

ليس انسحابًا من الذهب بقدر ما هو إعادة تموضع

 

من أكثر المؤشرات كاشفية لطبيعة السوق في 2026 ما حدث في صناديق الذهب المتداولة ETF. فقد سجلت هذه الصناديق في مارس خروجاً قياسياً بلغ 12 مليار دولار، وهو الأكبر على الإطلاق، بعد أن كانت التدفقات في بداية الربع تسير نحو واحد من أقوى الفصول تاريخياً. والقراءة المتسرعة لهذا التطور قد تذهب إلى أن المستثمرين فقدوا ثقتهم في الذهب. إلا أن القراءة الأعمق تشير إلى شيء مختلف: السوق دخلت موجة تسييل وإعادة تموضع تحت ضغط الرفع المالي وتقلبات الدولار والعوائد، لا تحت ضغط انهيار في منطق الذهب ذاته.

وهنا لا بد من التمييز بين مستويين في قراءة السوق. الأول هو الاتجاه البنيوي، الذي ما زال داعمًا للذهب بفعل الطلب الرسمي، وضعف اليقين العالمي، وتصاعد المخاطر المرتبطة بالتضخم والسياسات والديون. والثاني هو السلوك التكتيكي للمحافظ، الذي يجعل الذهب عرضة للبيع حتى في الأوقات التي تبدو داعمة له، إذا احتاج المستثمرون إلى السيولة أو إلى تقليص المخاطر بسرعة. ومن هذه الزاوية، فإن تصحيح الذهب لا ينبغي تفسيره على أنه انهيار في الثقة، بل على أنه انعكاس لكون المعدن، مهما كانت جاذبيته الاستراتيجية، يظل جزءاً من منظومة مالية عالمية تتسم بارتفاع الحساسية وسرعة إعادة التموضع.

 

ما الذي سيحدد مسار الذهب خلال ما تبقى من 2026؟

 

ثمة ثلاثة محددات رئيسية ستشكل اتجاه الذهب خلال بقية العام. أولها مسار الصراع الإقليمي؛ فأي اتساع جديد للمخاطر أو تعثر للتهدئة سيعيد تفعيل الطلب التحوطي بصورة مباشرة. ثانيها مسار الطاقة والتضخم؛ فإذا بقي النفط مرتفعًا أو ظلت صدمة الطاقة قائمة، فإن الذهب سيحتفظ بجاذبيته كوسيلة لحماية القوة الشرائية، وإن كان ذلك مترافقاً مع استمرار الخوف من بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول. أما المحدد الثالث فهو سياسة الاحتياطي الفيدرالي ومسار الدولار؛ فإذا بدأت الأسواق تقتنع بأن دورة التشديد قد انتهت بالفعل، وأن خفض الفائدة سيأتي لاحقًا، فإن الذهب قد يستعيد زخمًا أكثر استدامة. أما إذا رسخ سيناريو «الفائدة المرتفعة لفترة أطول»، فسيظل الذهب قوياً في الأساس، لكن أكثر عرضة للتذبذب الحاد.

ومن المهم هنا التنبه إلى أن الذهب لا يحتاج إلى ركود عالمي شامل كي يبقى قويًا. يكفي أن يبقى العالم في حالة اختلال: نمو يتباطأ ولا ينهار، تضخم أعلى من المستهدف، لكنه غير منفلت بالكامل، بنوك مركزية مترددة، وصراعات جيوسياسية قادرة على إعادة تسعير الأصول بسرعة. هذه البيئة، في حد ذاتها، تبقي الذهب أصلًا مفضلًا لدى من يبحثون عن أصل سيادي الطابع، عالي السيولة، غير قائم على التزام مباشر من جهة مصدرة. ولذلك، فإن جاذبية الذهب في 2026 لا تنبع فقط من الخوف، بل من اتساع مساحة الشك في الاتجاهات الكبرى للأسواق والاقتصادات.

 

أصل استراتيجي يحتاج إلى إدارة أكثر وعيًا

 

الخلاصة أن الذهب في 2026 لا يمكن قراءته بعقلية «الصعود الدائم»، كما لا يصح التعامل مع أي تصحيح حاد بوصفه نهاية القصة. نحن أمام أصل يؤدي دورين في وقت واحد: تحوط استراتيجي ضد الاضطراب الجيوسياسي وتآكل القوة الشرائية، وأصل مالي دوري يتأثر بقوة بالعوائد الحقيقية والدولار وتدفقات الصناديق وتوقعات السياسة النقدية. ومن ثم، فإن القراءة الأكثر رصانة هي أن الذهب ما زال يحتفظ بمكانته المركزية داخل المحافظ، لكنه يتطلب، في الوقت نفسه، إدارة أكثر مرونة، وفهماً أدق لدورة الاقتصاد الكلي ومحددات السيولة العالمية.

وبعبارة أوضح، فإن أهمية الذهب في الظروف الراهنة لا تأتي من كونه أصلًا يربح دائماً، بل من كونه يوفر ما لا توفره كثير من الأصول الأخرى: قدراً من الحماية حين تتسع المخاطر، وقدراً من الحياد النسبي حين تتآكل الثقة في التوقعات الكبرى للأسواق. ولهذا، فإن أفضل مقاربة له في الوضع الحالي ليست اعتباره رهاناً مضاربياً أحادي الاتجاه، بل أصلًا تحوطيًا طويل الأجل يُدار بتكتيك قصير الأجل، وفقاً لمسار التضخم، والفائدة، والطاقة، والجغرافيا السياسية


نائب المدير العام لعلاقات المستثمرين في بنك الخليج دلال الدوسري: المرأة في القطاع المصرفي من الحضور إلى صناعة القرار وبناء الثقة

في حوار خاص مع مجلة المصارف، تحدثت دلال الدوسري، نائب المدير العام لعلاقات المستثمرين في بنك الخليج، عن أبرز ملامح العمل المؤسسي في القطاع المصرفي الكويتي وتجربتها المهنية في هذا المجال، حيث أكدت أن القيادات النسائية تبرز بوصفها عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل ملامح القطاع، ليس فقط من حيث التمثيل، بل من حيث التأثير والمشاركة في صنع القرار. في هذا الحوار الخاص، تسلط دلال الدوسري، نائب المدير العام لعلاقات المستثمرين في بنك الخليج الضوء على تجربتها المهنية الممتدة لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، كما تتناول رؤيتها لدور علاقات المستثمرين في إدارة التوقعات وتعزيز الشفافية، إلى جانب استعراضها لملامح تطور القيادات النسائية في القطاع المصرفي الكويتي، والتحول التدريجي من الحضور الرمزي إلى المشاركة الفعلية في مواقع صنع القرار.

ويكشف الحوار كذلك عن مقاربة قيادية قائمة على الثقة والمسؤولية المشتركة، إلى جانب قراءة واقعية لمفهوم التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، فضلًا عن طرح عملي لتعزيز ثقافة التنوع والشمول داخل المؤسسات المالية. كما تقدم الدوسري مجموعة من الدروس المهنية والنصائح العملية للجيل الجديد، في وقت تتجه فيه البيئة المصرفية نحو مزيد من التنافسية، بما يفرض متطلبات أعلى على مستوى الكفاءة والمرونة والقدرة على التكيف. وفيما يلي نص الحوار:

 

  • توليك منصب نائب المدير العام لعلاقات المستثمرين في بنك الخليج يمثل محطة مهمة في مسيرتك المهنية. ما أبرز المحطات التي أسهمت في تشكيل خبرتك والوصول إلى هذا الموقع؟

بُنيت رحلتي المهنية، التي امتدت على مدى خمسة وعشرين عاماً، على تنوع كبير في الخبرات في القطاع المالي الكويتي، بدءاً من العمل في مجال التحليل المالي وإدارة الأصول، وصولاً إلى التخصص في علاقات المستثمرين. وقد ساهمت في تأسيس وحدة علاقات المستثمرين في العديد من المؤسسات، كما شاركت في وضع استراتيجيات التواصل مع المستثمرين في تلك المؤسسات خلال فترات اتسمت بتحديات اقتصادية صعبة، مثل الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا.

أسهمت هذه الخبرات والتجارب مجتمعة في بناء فهم متكامل يربط بين الأداء المالي والتواصل المؤسسي الاستراتيجي مع جميع الأطراف ذات الصلة، سواءً من داخل المؤسسة، بدءاً من مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية إلى بقية مسارات العمل الرئيسية، أو خارجها، متمثلةً في المستثمرين، والمحللين الماليين، ووكالات التصنيف الائتماني العالمية والجهات التنظيمية، وغيرها.

  • كيف تحرصين على ترسيخ ثقافة العمل الجماعي داخل فريق العمل، وما الأساليب القيادية التي تعتمدينها لتحفيز الأداء وتحقيق الأهداف المشتركة؟

أُركز على بناء بيئة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية المشتركة. فمن المهم أن يكون لكل فرد دور واضح وشعور بالمسؤولية، وذلك من خلال إشراك جميع أعضاء الفريق في اقتراح الأفكار ووضع الاستراتيجية. كما أحرص على التواصل المستمر مع الجميع، وتقديم تقييم بنّاء بشكل مستمر، وليس فقط من خلال دورة التقييم السنوي، مع ربط الأهداف الفردية بأهداف الفريق والمؤسسة.

إلى جانب ذلك، أحرص على إفساح المجال ومنح الفرصة لكل عضو في الفريق لمواجهة بعض التحديات والمهام ذات الطابع الحيوي أو المعقد خارج منطقة الراحة، مما يساعده على اكتساب المزيد من الخبرات وتحقيق النمو والتطور المهني.

  • بصفتك نائب المدير العام لعلاقات المستثمرين ، كيف يسهم هذا الدور في بناء جسور الثقة مع المستثمرين وتعزيز صورة البنك في الأسواق المالية؟

علاقات المستثمرين تمثل حلقة الوصل بين البنك والأوساط الاستثمارية من مساهمين حالين أو مرتقبين، وكذلك المحللين الماليين ووكالات التصنيف الائتمانية. وبالتالي يرتكز دور علاقات المستثمرين على تقديم صورة حيادية ومتوازنة عن أداء البنك المالي واستراتيجيته، مع الحفاظ على الشفافية والمصداقية. كما أن علاقات المستثمرين تقوم بدور كبير في بناء الثقة في الأوساط الاستثمارية من خلال قدرتها على الاستمرارية في التواصل، والقدرة على إدارة التوقعات، وتقديم رسائل واضحة في جميع الأوقات، خاصة في الأوقات التي تسيطر عليها التحديات وحالة عدم اليقين.

  • العمل في القطاع المصرفي يتطلب وتيرة عالية من الالتزام والمسؤولية. بشكل شخصي.. كيف تنجحين في تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والحياة الشخصية؟

شخصياً، لا أعتقد بوجود فصل تام او توازن حقيقي أو كامل بين الحياة الشخصية والمسار المهني. لكن ما أؤمن به هو وجود توازن في الأولويات. فعندما أكون خارج البلاد في رحلة عمل، تكون الأولوية للعمل بطبيعة الحال في تلك اللحظة، وعندما يتطلب الأمر حضوري لاجتماع أولياء الأمور للمدرسة مثلا، تصبح العائلة هي الأولوية في ذلك الوقت.

وأؤمن بشكل كبير أن الأهم هو قدرتنا على العودة دائماً إلى توازننا الداخلي، بغض النظر عن التقلبات أو التحولات الكبيرة التي قد نمر بها فيما بين متطلبات العمل والحياة الشخصية.

أود هنا الإشارة إلي الجهود الكبيرة والتفهم الواضح الذي تبديه مؤسسات القطاع الخاص وفي مقدمتها البنوك من أجل تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية للموظفين، والموظفات.

  • يشهد القطاع المصرفي في الكويت حضور متزايدًا للقيادات النسائية. كيف تنظرين إلى هذا التطور؟

هذا صحيح.. فنسبة تمثيل المرأة في القطاع المصرفي الكويتي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، إذ بلغت ما يناهز 40% من توسط من إجمالي القوى العاملة في القطاع، ووصلت نسبتهن إلى نحو 26% من المناصب القيادية العليا. وفي هذا الإطار، حقق بنك الخليج انجازاً ملحوظاً اذ ارتفعت نسبة القيادات النسائية بشكل ملموس خلال العشر سنوات الأخيرة من 10% إلى 30%.

وتعكس هذه المؤشرات انتقالاً من مرحلة «التمثيل الرمزي» للنساء في القطاع المصرفي إلى مرحلة بناء مسار قيادي حقيقي للمرأة، مدعوماً بتوجهات الدولة المتمثلة في رؤية الكويت 2035 وسياسات مؤسسية أكثر وعياً بأهمية التنوع المؤسسي الذي بدوره يساهم في تحسين جودة اتخاذ القرار، وبناء بيئة عمل أكثر شمولية وقدرة على الابتكار والتكيف مع المتغيرات.

  • ما هي المجالات التي ترين أنها تشهد حضورًا نسائياً متنامياً في القطاع المصرفي؟

شهدنا تطورًا ملحوظًا في تمثيل المرأة في القطاع المصرفي، ليس فقط على مستوى الوظائف التشغيلية، بل أيضًا في الأدوار القيادية ومجالس الإدارات. في السابق، اقتصرت مشاركة المرأة على عدد من الوظائف المحدودة والتقليدية مثل علاقات العملاء، والتدريب والتطوير، والموارد البشرية، والتسويق، ولكن خلال السنوات الماضية شهدنا حضورًا متناميًا في مجالات مثل التكنولوجيا وتحليل البيانات، والتدقيق، وإدارة الأصول، وإدارة الخزينة، وإدارة المخاطر، وهي مجالات كان تمثيل النساء فيها محدودًا، وهو ما يعكس تحولًا حقيقيًا باتجاه تمكين المرأة. أضف إلى كل ما سبق التطور الملموس في تمثيل المرأة في مجالس إدارات البنوك المحلية.

  • في رأيك، ما الخطوات العملية التي يمكن أن تعزز ثقافة التنوع والشمول داخل المؤسسات المالية وتفتح آفاقًا أوسع أمام القيادات النسائية؟

تمكين المرأة وتعزيز ثقافة التنوع والشمول لا يتحقق فقط من خلال السياسات والإجراءات، بل بإيمان المؤسسات بأهمية دور المرأة القيادي من خلال التطبيق الفعلي والفرص المتاحة للنمو والتقدم. وعلى هذا أرى أن من أهم الخطوات لتحقيق ذلك هي ما يطلق عليه mindset shift، أي تحول في العقلية أو نمط التفكير لدى أصحاب القرار في المؤسسات، مما يجعل ثقافة التنوع والشمول جزءاً من استراتيجية المؤسسة، وليس مبادرة منفصلة. وبالتوازي مع ذلك، يجب تعزيز الاستثمار في برامج الإرشاد والتطوير القيادي، وإعطاء القيادات النسائية الأولوية في سياسات الإحلال المهني succession، وتحديد المسار الوظيفي.

  • ما هي أبرز المهارات المهنية التي ترين أنها ضرورية للمرأة التي تسعى لبناء مسيرة ناجحة في القطاع المالي والمصرفي؟

من وجهة نظري، يتطلب نجاح المرأة في القطاع المالي مزيجاً من القدرات العلمية والمهنية والشخصية، إلى جانب امتلاك مهارات تواصل فعّالة قادرة على تبسيط الرسائل المالية المعقدة. كما تُعد مهارات مثل المرونة والقدرة على التكيف مع بيئة سريعة التغير من العناصر الأساسية لبناء مسيرة ناجحة في القطاع المالي والمصرفي.

ولا يقل أهميةً عن ذلك بناء حضور مهني قائم على الثقة والمصداقية، إلى جانب الالتزام بالتعلم المستمر وتطوير الذات. وأستطيع أن أؤكد، من خلال خبرتي الطويلة، أن القطاع المصرفي يكافئ من يواكب تطوراته باستمرار، لا من يكتفي بما لديه من معرفة.

  • من واقع تجربتك، كيف يمكن للقيادات النسائية أن تضيف قيمة نوعية إلى بيئة العمل المصرفي وصنع القرار داخل المؤسسات المالية؟

وجود القيادات النسائية في أي مؤسسة يضيف لها بعدًا مهمًا يتمثل في تنوع أساليب التفكير واتخاذ القرار، إضافة إلى تعزيز ثقافة التعاون في تحقيق أهداف المؤسسة وخططها الاستراتيجية. كما أن وجود نماذج قيادية نسائية يُحتذى بها يسهم في تحفيز الكفاءات الشابة وخلق بيئة عمل أكثر توازنًا تدعم التطور المهني وترسيخ معايير الاستدامة المجتمعية.

  • كيف تتصورين مستقبل القيادات النسائية في القطاع المصرفي الكويتي خلال السنوات المقبلة، في ظل التحولات الاقتصادية والمالية التي تشهدها المنطقة؟

مع تعقّد البيئة الاقتصادية وتسارع وتيرة التغيرات التنظيمية والتمويلية، تتجه المرحلة القادمة نحو تحول بارز في دور القيادات النسائية من حيث طبيعة التأثير، وليس فقط مستوى التمثيل. وأعتقد أنه لن يقتصر الدور على زيادة الأعداد فقط، بل سيمتد إلى تولي أدوار أكثر ارتباطًا بصنع القرار في مجالات محورية مثل رئاسة مجالس الإدارات وقيادة المؤسسات، لا سيما المالية منها.

  • ما الدروس المهنية التي خرجت بها من تجربتك في العمل المصرفي، والتي تعتقدين أنها ساعدتك في بناء أسلوبك القيادي؟

الدروس كثيرة ومتنوعة، ففي كل يوم عمل كان هناك موقف أو شخص تعلمت منه. ومن أبرز هذه الدروس أن القيادة لا ترتبط بالمنصب بقدر ما ترتبط بالقدرة على التأثير في صناعة القرار وبناء الثقة بين فريق العمل. كذلك، أهمية الوضوح في التواصل، خاصة في بيئات عمل تتسم بالتعقيد والتغير المستمر. وأيضاً أن الاستمرارية والانضباط في العمل هما أساس التطور والنجاح، وأن الاستثمار في بناء علاقات أساسها المصداقية هو أحد أهم عوامل النجاح في العمل والحياة بشكل عام.

  • ما الرسالة التي تودين توجيهها للشابات الكويتيات الراغبات في دخول المجال المصرفي أو العمل في المجالات المالية والاستثمارية؟

من خلال خبرتي العملية في القطاع الخاص بشكل عام، وليس فقط في القطاع المصرفي، أرى أن بناء المسار المهني الناجح يتطلب الجرأة في خوض تجارب متنوعة، إلى جانب الثقة بالنفس المبنية على كفاءة حقيقية. وأنصح المقبلين على العمل في القطاع الخاص بعدم انتظار المسار المهني المثالي، بل العمل على صناعته من خلال المبادرة وطلب الفرص والتعلم من مختلف التجارب، لأن هذا القطاع يميز بوضوح بين من يكتفي بالمحاولة ومن يلتزم بالتطور المستمر.


في حوار خاص مع مجلة المصارف الرئيس التنفيذي لمجموعة أنظمة الكمبيوتر المتكاملة العالمية فهد المنيس: المستقبل المصرفي لن يُبنى على الفروع التقليدية بل على البيانات والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية القادرة على الابتكار المستمر

يقدّم فهد المنيس، الرئيس التنفيذي لمجموعة أنظمة الكمبيوتر المتكاملة العالمية ، في هذا الحوار الخاص، رؤية الشركة لمسار الخدمات المالية في المرحلة المقبلة، ويطرح قراءةً للتحولات الكبرى التي تعيد تشكيل القطاع المصرفي في المنطقة. كما يتناول الحوار مستقبل القرار المصرفي في عصر الذكاء الاصطناعي، ودور البنية التحتية الرقمية والشراكات التقنية، إلى جانب أهمية الأمن والمرونة والحوكمة بوصفها ركائز أساسية لبناء الثقة في التكنولوجيا المالية.
ويأتي هذا الحوار في مرحلة لم يعد فيها التحول الرقمي مجرد مسار لتحسين الكفاءة التشغيلية أو تحديث الأدوات التقليدية، بل أصبح عنوانًا لتحول أعمق يمس جوهر نموذج الأعمال المصرفية، ويعيد تشكيل أولويات المؤسسات المالية، وأدوات تنافسها، وطبيعة علاقتها بعملائها. وفي ظل هذا المشهد المتسارع، تتزايد أهمية الجهات القادرة على الجمع بين الفهم العميق للقطاع المالي، والرؤية التقنية المتقدمة، والقدرة على التنفيذ العملي على نطاق واسع.

ومن هذا المنطلق، يسلّط الحوار الضوء على الكيفية التي تنظر بها ITS إلى المرحلة المقبلة، بوصفها مرحلة تتجاوز الرقمنة في معناها التقليدي إلى بناء منصات مصرفية أكثر ذكاءً ومرونة، تستند إلى البيانات، وتستفيد من قدرات الذكاء الاصطناعي، وتواكب المتطلبات المتزايدة للأمن والامتثال والاستمرارية. كما يفتح الحوار نافذة على رؤية أوسع لمستقبل الخدمات المالية في المنطقة، في ظل التحولات المتسارعة التي تعيد تعريف القرار المصرفي، وتفرض على المؤسسات المالية نماذج جديدة في الابتكار والتشغيل وبناء القيمة. وفيما يلي محاور الحوار:

 

من الأنظمة المصرفية الأساسية إلى الشريك الاستراتيجي

 

  • كيف تصفون رحلة ITS منذ تأسيسها وحتى اليوم؟

منذ تأسيس ITS قبل أكثر من أربعة عقود، كانت مهمتنا تمكين المؤسسات المالية من استخدام تكنولوجيا تعكس قيمة حقيقية يمكن قياسها. وقد بدأنا كمزوّد الللأنظمة المصرفية الأساسية وتطورنا لنصبح شريكاً استراتيجياً في التحول الرقمي للبنوك في الشرق الأوسط وإفريقيا. واليوم، نركز على بناء منصات مصرفية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والهندسة السحابية، لأننا نؤمن أن مستقبل الخدمات المالية سيرتكز على هذه الأسس.

ومنذ تأسيس المقر الرئيسي لشركة ITS في الكويت، عملت الشركة على بناء حضور دولي قوي ومتنامي يدعم الاحتياجات المتطورة للقطاع المصرفي العالمي. ومن خلال عملياتها القائمة حالياً وحضورها الإقليمي في البحرين ودبي والقاهرة وقطر وتركيا، تجمع الشركة بين قربها من المراكز المالية الرئيسية ورؤيتها العميقة للأسواق المحلية والإقليمية. كما تتعزز قوة شركة ITS بفضل عمليات البحث والتطوير المتقدمة التي تقوم بها في الكويت والقاهرة، مدعومة بنموذج تسليم مرن يتيح خدمات مُدارة آمنة وقابلة للتوسع من خلال مركز تطوير حلول الأعمال العالمية (GBS) في القاهرة. يضع هذا النموذج التشغيلي المتكامل شركة ITS في موقع الشريك التكنولوجي الموثوق للبنوك والمؤسسات المالية في جميع دول الشرق الأوسط وإفريقيا والأمريكتين ومنطقة الكاريبي ورابطة الدول المستقلة (CIS)، حيث يدعم التحول الرقمي، والامتثال التنظيمي، والمرونة التشغيلية طويلة الأمد لهذه المؤسسات.

 

من الرقمنة إلى إعادة الابتكار: التحوّل باعتباره تغييرًا في نموذج الأعمال

 

  • ما الذي يميز ITS في سوق التكنولوجيا المالية؟

ما يميز ITS في سوق التكنولوجيا المالية هو فهمها العميق للقطاع المصرفي وقدرتها على تصميم حلول تنطلق من الاحتياجات الفعلية للبنوك. فنحن لا نعمل بمعزل عن الواقع، بل نصمم منصات تحفز الابتكار داخل المؤسسات المالية، ونتجاوز بكثير مرحلة أتمتة العمليات التقليدية.

 

  • القطاع المصرفي يشهد تحولاً رقمياً متسارعاً، كيف تنظرون إلى هذا التحول؟

لم يعد التحول الرقمي في القطاع المصرفي مجرد مشروع تقني؛ بل بات تحوّلًا في نموذج الأعمال بالكامل. فالبنوك التي ستنجح مستقبلاً هي تلك البنوك التي ستتحول إلى منصات مالية رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي وقائمة على البيانات، ودورنا هو تمكين هذا التحول عبر منصات مرنة وقابلة للتوسع.

كما تعكس خبرة شركة ITS الهندسية متعددة المجالات تطور الشركة إلى ما هو أبعد من القطاع المصرفي. فإلى جانب الخدمات المالية، قدمت شركة ITS من قبل حلولًا تقنية لقطاعات أخرى – بما في ذلك قطاع الاتصالات – حيث قدمت انضباط تكامل الأنظمة المطلوب للعمل على نطاق واسع داخل البيئات ذات المهام الحيوية.

الذكاء الاصطناعي سيُعيد تعريف القرارات المصرفية

من البداية إلى النهاية

 

  • ما الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في مستقبل الخدمات المالية؟

سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل القطاع المالي بشكل جذري. ففي السنوات القادمة، ستصبح معظم القرارات المصرفية قائمة بشكل متزايد على التحليلات المتقدمة والخوارزميات الذكية — وذلك في مجالات إدارة المخاطر، واكتشاف الاحتيال، والامتثال، وتحليل سلوك العملاء.

 

  • كيف تعمل ITS على دمج هذه التقنيات في حلولها؟

نحن في ITS نعمل على بناء منصات مصرفية تعتمد على البيانات والتحليلات المتقدمة والأتمتة الذكية. وهدفنا هو تمكين المؤسسات المالية من اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، وتقديم تجربة مصرفية أكثر تخصيصاً للعملاء وقائمة على احتياجاتهم الفعلية.

 

الطفرة الكبيرة في قطاع التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط: التشريعات والاستثمار وتوقعات العميل

 

  • كيف ترون تطور قطاع التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط؟

يشهد قطاع التكنولوجيا المالية في الشرق الأوسط طفرة كبيرة وغير مسبوقة في التحول الرقمي، وهذه الطفرة قائمة على وجود مجموعة من التشريعات الداعمة والاستثمار في مجال التقنية وتوقعات العملاء سريعة التغير. وستشهد السنوات القادمة ظهور نماذج مصرفية جديدة قائمة على التكنولوجيا وستكون مصممة في جوهرها باستخدام تجارب رقمية.

 

  • ما أبرز الفرص في السوق خلال السنوات القادمة؟

نحن نرى فرصاً كبيرة في الخدمات المصرفية الرقمية، والمدفوعات الذكية، والخدمات المصرفية المفتوحة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية. وستشكل هذه المجالات الجيل القادم من الابتكار المالي في المنطقة.

 

الحماية، المرونة، والثقة: المبادئ التي لا تقبل التفاوض

 

  • كيف تعزّز ITS الثقة في التكنولوجيا المصرفية عبر الأمن والحوكمة والامتثال؟

في عصر الذكاء الاصطناعي، تُبنى الثقة في التكنولوجيا المصرفية على حماية البيانات حماية صارمة، والمرونة التشغيلية، والحوكمة القوية. ومع تسارع المؤسسات المالية في التحول الرقمي، يجب عليها تحديث منصاتها مع ضمان استمرار الامتثال، واستمرارية الخدمة، والحماية القوية للبيانات والأنظمة الحيوية.
وتُوائم شركة ITS في تقديم خدماتها ونضج عملياتها مع المعايير الدولية المعترف بها عالميًا لتلبية هذه المتطلبات. حيث تم تقييم مركز التطوير في ITS وفق نموذج CMMI الإصدار 3.0 (مستوى النضج 3)، مما يعكس ممارسات منضبطة في تطوير البرمجيات وتميزاً في العمليات. ففي ملفها التعريفي المنشور، تؤكد شركة ITS التزامها بالمعايير الأساسية لأنظمة الإدارة وفق مواصفات ISO، بما في ذلك ISO/IEC 27001: في عام 2022، حصلت الشركة على شهادة إدارة أمن البيانات
ISO/IEC 20000-1: في عام 2018 حصلت الشركة على شهادة إدارة خدمات تكنولوجيا المعلومات، وISO 22301: في عام 2019 حصلت الشركة على شهادة إدارة استمرارية الأعمال، مما يعزز التزامها بتوفير عمليات مصرفية آمنة ومرنة وغير منقطعة. كما حصلت ITS إلى جانب هذه الشهادات الأساسية على شهادة ISO 9001:  في عام 2015 حصلت الشركة على شهادة إدارة الجودة، ISO 45001: 2018 حصلت الشركة على شهادة الصحة والسلامة المهنية، وISO 14001: في عام 2015 حصلت الشركة على شهادة الإدارة البيئية، مما يبرز نموذجاً تشغيلياً شاملاً قائماً على الحوكمة، يدعم الثقة طويلة الأمد والامتثال التنظيمي عبر المنظومة المالية.

 

أساس رقمي جاهز مصمم وفق معايير Tier III:

بنية تحتية تتماشى مع طموحات القطاع المصرفي

 

  • كيف توظف ITS بنيتها التحتية الرقمية ومراكز بياناتها لتعزيز التوسع والأمن والثقة في الخدمات المصرفية؟

إن قوة الخدمات المصرفية الرقمية تعتمد على قوة البنية التحتية التي تقوم عليها. فالأداء القابل للتوسع، والتوافر العالي، والعمليات الآمنة تُعد عناصر أساسية للحفاظ على الثقة – خاصة مع تزايد حجم المعاملات وتنامي التوقعات الفعلية للعملاء.

تُشغّل شركة ITS خدمات استضافة مراكز البيانات وفق تصميم ومرافق معتمدة من معهد Uptime بمستوى Tier III، مع اتفاقية مستوى خدمة (SLA) تضمن وقت تشغيل بنسبة 99.98 %، كما هو مذكور في موادها الخاصة بمراكز البيانات والخدمات المُدارة.

كما تؤكد شركة ITS أيضاً أن بيئة مركز بياناتها معتمدة وفق معيار PCI-DSS لحماية بيانات المصادقة الحساسة أينما تتم معالجتها أو تخزينها أو نقلها، مما يدعم الضوابط الآمنة للمدفوعات وبيانات البطاقات.

وبالإضافة إلى ذلك، يصف كتيّب مركز بيانات شركة ITS المنشأة بأنها مشروع كبير حائز على جوائز (مشروع العام 2021 من MEED)، مما يعزز حجم وأهمية استثماراتها الاستراتيجية في البنية التحتية.

 

نجاح المنظومات: لماذا تُعد الشراكات

بين البنوك وشركات التكنولوجيا مهمة

 

  • كيف تسهم الشراكات بين البنوك وشركات التكنولوجيا في تسريع الابتكار؟

تُسرّع الشراكات بين البنوك ومزوّدي التكنولوجيا الابتكار الفعّال. فالبنوك تجلب معها ثقة العملاء، والانضباط التنظيمي، والخبرة المالية، بينما تساهم شركات التكنولوجيا بالسرعة، والمهارات الهندسية، والتفكير القائم على المنصات. فمعاً، تعمل البنوك والشركات على إيجاد منظومات قادرة على إطلاق منتجات جديدة بسرعة أكبر، والتوسع بذكاء، والتكيف مع تحولات السوق بثقة.

 

العقد القادم: المنصات الرقمية في الصدارة

خلال السنوات العشر المقبلة، ستسيطر البنوك – المدعومة بالبيانات والذكاء الاصطناعي – بشكل متزايد على المشهد المالي. وفي المقابل، ستتراجع الفروع التقليدية في أهميتها الاستراتيجية، لتصبح القنوات الرقمية الواجهة الأساسية بين البنوك وعملائها.

 

  • ما رؤيتكم لدور ITS في هذا المستقبل؟

رؤيتنا في ITS هي أن نكون المنصة التقنية التي تقود الجيل القادم من المؤسسات المالية في المنطقة – مما يمكّن البنوك من الابتكار بسرعة، والتوسع بثقة، والتكيف مع عالم مالي يتطور بوتيرة غير مسبوقة.

المستقبل المصرفي لن يُبنى على الفروع التقليدية، بل على البيانات والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية القادرة على الابتكار المستمر.

 

الرسالة الختامية إلى قادة القطاع المالي

 

  • ما الرسالة التي تودون توجيهها لقادة المؤسسات المالية؟

المستقبل لن ينتظر المترددين. إن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحا الآن متطلبين أساسيين للبقاء في المنافسة. المؤسسات التي تستثمر في التكنولوجيا والبيانات والأمن والابتكار ستكون هي التي تقود القطاع المالي في السنوات المقبلة.

 

الجوائز والاعتراف بالسوق:

ترجمة للمصداقية

 

في مجال التكنولوجيا المالية، تُكتسب المصداقية من خلال التسليم المستدام، وعمليات التنفيذ الموثوقة، والاعتراف المتواصل من أقطاب هذه الصناعة. لقد بنت شركة ITS سمعة قوية عبر قطاع البنوك والخدمات المالية، مع تميز خاص في مجال تقنيات التمويل الإسلامي.

لقد تم الاعتراف بشركة ITS عدة مرات من قِبل جوائز التمويل الإسلامي العالمية (GIFA)، بما في ذلك تكريمها في عام 2025 “كأفضل مزوّد لتقنيات التمويل الإسلامي”، مما يعكس ريادتها المستمرة ومساهمتها طويلة الأمد في المنظومة المصرفية الإسلامية. كما حصلت شركة ITS على اعتراف إضافي من مركز الهدى للصيرفة والاقتصاد الإسلامي باعتبارها أفضل مزوّد لحلول التكنولوجيا في التمويل الإسلامي، مما يعكس تخصصها وخبرتها العميقة في هذا المجال

يشمل الاعتراف الأوسع في السوق حصول الشركة على جوائز مثل شركة التكنولوجيا للعام من Arabian Business، وتقدير الشركة ضمن جوائز التمويل الدولية لمجلة Acquisition International باعتبارها أفضل مزوّد لحلول تقنية المعلومات المتكاملة – الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تكريمات متكررة من أبرز المنشورات المتخصصة في الصناعة، بما في ذلك أفضل أنظمة مصرفية إسلامية مبيعاً وأعلى عدد من تطبيقات الأنظمة من IBS Journal وIBS Intelligence. إن هذه الجوائز مجتمعةً تعزز المصداقية المثبتة لشركة ITS، وتميّزها في التنفيذ، ومكانتها الموثوقة في عالم التكنولوجيا المصرفية إقليمياً ودولياً.


الرئيس التنفيذي لبنك المشرق بالكويت في حوار خاص مع «المصارف» عمار بومجداد: نواكب التغيير ونعمل على قيادته من خلال الابتكار والشراكات والتركيز على العميل

في حوار خاص مع مجلة المصارف، يتحدث عمار عبدالله بومجداد، الرئيس التنفيذي لبنك المشرق بالكويت، عن مسار البنك في السوق الكويتي، ورؤيته للتحولات التي يشهدها القطاع المصرفي في مرحلة تتعاظم فيها أهمية الكفاءة، وسرعة التنفيذ، والابتكار، والحلول العابرة للحدود.

ويؤكد خلال الحوار على أن البنك يواكب التغيير ويعمل على قيادته من خلال الابتكار والشراكات والتركيز على العميل. كما يؤكد على أن البنك رسّخ حضوره في الكويت عبر «نمو مدروس ومستدام» يستند إلى إدارة مخاطر رصينة، مع تركيز واضح على قطاع الشركات والمؤسسات بوصفه الركيزة الأساسية في استراتيجيته.

كما يسلط الضوء على دور التحول الرقمي في تطوير الخدمات، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الابتكار الحقيقي هو ما يشعر به العميل من حيث السرعة والبساطة والقيمة، إلى جانب أهمية ربط المؤسسات الكويتية بالفرص الإقليمية والعالمية عبر حلول مصرفية أكثر تكاملًا ومرونة.

ويستعرض الحوار تجربة البنك منذ انطلاق عملياته في الكويت عام 2009، وتطورها نحو نموذج مصرفي أكثر شمولًا في تمويل الشركات، والتجارة، والخدمات الرقمية، فضلًا عن رؤيته للفرص الواعدة في السوق الكويتي ومستقبل العمل المصرفي في المنطقة. وفيما يلي نص الحوار:

  • كيف تقيّمون تجربة بنك المشرق في السوق الكويتي منذ انطلاق عملياته؟

منذ تأسيس بنك المشرق في دولة الكويت عام 2009، اعتمد البنك نهجاً استراتيجياً قائماً على النمو المدروس والمستدام، مرتكزًا على إدارة مخاطر رصينة وانضباط ائتماني في التوسع ضمن محفظته. وقد أسهم هذا التوجه في تحقيق توازن فعّال بين التوسع وتعزيز جودة الأصول، بما يدعم استدامة الأداء على المدى الطويل.

وعلى مدار السنوات، نجح البنك في ترسيخ مكانته كمؤسسة مصرفية رائدة في قطاع الخدمات المصرفية للشركات، من خلال بناء علاقات استراتيجية متينة مع كبار العملاء، وتقديم حلول مالية متخصصة تلبي احتياجات السوق الكويتي وتواكب تطوراته المتسارعة.

كما استفاد البنك من شبكة مجموعة المشرق الإقليمية والدولية لتقديم خدمات مصرفية متكاملة، تشمل التمويل المشترك، والخدمات الدولية، والحلول الرقمية المتقدمة، بما يعزز من قدرته على دعم عملائه في مختلف مراحل نموهم.

«منذ تأسيسنا في الكويت عام 2009، التزمنا بنهج نمو مدروس يرتكز على إدارة مخاطر رصينة، ما مكّننا من التوسع بثقة وبناء محفظة عالية الجودة تعكس استدامة الأداء وقوة الأسس التي ننطلق منها».

 

  • كيف تطورت هذه التجربة عبر السنوات؟

شهدت عمليات البنك في الكويت تطوراً نوعياً، حيث انتقل من نموذج مصرفي تقليدي إلى منصة مصرفية متكاملة ترتكز على تقديم حلول متقدمة في التمويل المنظم، إلى جانب تعزيز دوره في المعاملات الدولية والإقليمية.

وقد مكّن هذا التحول البنك من تلبية الاحتياجات المتزايدة لعملائه، لا سيما في مجالات التجارة الدولية والصفقات المهيكلة، مع الاستمرار في تطوير القدرات الرقمية بما يعزز الكفاءة التشغيلية ويرتقي بتجربة العملاء.

 

  • ما أبرز القطاعات الاقتصادية التي يركز عليها البنك في الكويت؟

يركز البنك على القطاعات الحيوية ذات الأثر الاستراتيجي في الاقتصاد الكويتي، وفي مقدمتها قطاع النفط والغاز، ومشاريع البنية التحتية، إلى جانب شركات الاتصالات والتقنية وقطاع الخدمات، إضافة إلى دعم أنشطة التجارة الدولية والخدمات اللوجستية، بما يعزز مساهمته في تمويل النمو الاقتصادي.

كما يولي البنك اهتماماً متزايداً بالقطاعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والتحول التكنولوجي، انطلاقاً من دوره في دعم الابتكار وتمكين الشركات من مواكبة المتغيرات المتسارعة في بيئة الأعمال.

 

  • ما أهم الفرص الاقتصادية والاستثمارية التي ترونها في السوق الكويتي؟

تتمثل أبرز الفرص في تطوير مشاريع البنية التحتية والطاقة، وتعزيز التجارة الإقليمية بين دول مجلس التعاون، وتسريع التحول الرقمي، إضافة إلى تنامي دور القطاع الخاص في ظل توجهات الدولة نحو تنويع مصادر الدخل، وهو ما يفتح آفاقاً واسعة أمام المؤسسات المالية للمساهمة في دعم هذه المسيرة.

وفي هذا الإطار، يحرص بنك المشرق على لعب دور فاعل في تمويل مشاريع البنية التحتية وقطاع الطاقة، إلى جانب دعم التدفقات التجارية الإقليمية، بما يعزز من مساهمته في دفع عجلة النمو الاقتصادي وتحقيق الأهداف التنموية للدولة.

 

  • كيف تنعكس خبرات مجموعة المشرق على خدماتكم في الكويت؟

يستفيد بنك المشرق في الكويت من شبكة المجموعة الإقليمية والدولية، حيث ترتكز قوته على شبكة فروع دولية واسعة، إلى جانب خبرات متقدمة في إدارة التمويل المشترك والتعامل مع المؤسسات المالية العالمية في كبرى عواصم المال مثل لندن وهونج كونج ونيويورك، بما يتيح تقديم حلول مصرفية متكاملة من خلال افرعه المتواجدة في هذه العواصم.

وتتمثل أبرز نقاط القوة في شبكة دولية قوية تتيح الوصول إلى كبرى المؤسسات والشركاء العالميين، إلى جانب قدرات متخصصة في القطاعات الحيوية والرائدة في الكويت، مدعومة بخبرات عميقة في الإقراض وتطوير الحلول المالية المبتكرة.

كما يمتلك البنك خبرة واسعة في تنفيذ وتمويل التجارة، مستنداً إلى معرفة متقدمة بالأسواق العالمية واللوائح التنظيمية، وعلاقات راسخة تمتد إلى أكثر من 60 دولة، بما يسهم في دعم احتياجات العملاء في الاستيراد والتصدير.

ويواصل البنك توظيف هذه الإمكانات إلى جانب المنصات الرقمية الحديثة، بما يسهم في تعزيز كفاءة العمليات وتقديم قيمة مضافة حقيقية للعملاء.

«نستند في المشرق إلى شبكة دولية قوية وخبرات متخصصة في القطاعات الحيوية، ما يمكننا من تقديم حلول مبتكرة وتمكين عملائنا من الاستفادة من الفرص عبر الأسواق الإقليمية والعالمية بكفاءة وثقة.»

 

  • كيف تقيّمون البيئة التنظيمية للبنوك الأجنبية في الكويت؟

تتميز البيئة التنظيمية في دولة الكويت بدرجة عالية من النضج والتوازن، حيث توفر إطاراً رقابياً يعزز الاستقرار المالي ويضمن سلامة القطاع المصرفي، مع الحفاظ على مستوى عالي من التنافسية التي تدعم الابتكار وتطوير الخدمات.

 

  • إلى أي مدى يشكّل قطاع الشركات والمؤسسات ركيزة في استراتيجيتكم؟

يُعد قطاع الشركات والمؤسسات الركيزة الأساسية لاستراتيجية البنك، حيث يتم التركيز على بناء شراكات طويلة الأمد مع العملاء، وتقديم حلول مالية متكاملة تدعم توسعهم ونمو أعمالهم على المستويين المحلي والإقليمي.

 

  • كيف يعمل البنك على تعزيز تنافسيته في السوق الكويتي؟

يعتمد بنك المشرق في تعزيز تنافسيته على ثلاثة محاور رئيسية: سرعة التنفيذ، وربط المؤسسات المحلية مع جهات عالمية، والابتكار. حيث يجمع البنك بين شبكة دولية قوية وقدرات متقدمة في هيكلة الحلول المالية، إلى جانب سرعة في التنفيذ تُعد عنصراً حاسماً في بيئة الأعمال الحالية.

كما يحرص البنك على ترسيخ مكانته كشريك استراتيجي للعملاء، من خلال تبني نهج قائم على تقديم الحلول، وليس المنتجات، بما يواكب تطلعات العملاء ويعزز من قدرتهم على النمو والتوسع.

وفي ظل اشتداد المنافسة، يركز البنك على تقديم حلول مصرفية أكثر ذكاءً ومرونة تلبي احتياجات العملاء المتغيرة، وتمنحه ميزة تنافسية مستدامة في السوق.

 

  • ما دور التحول الرقمي في تطوير خدماتكم؟

يشكل التحول الرقمي محوراً أساسياً في استراتيجية بنك المشرق، حيث نؤمن بأن الابتكار الحقيقي يتمثل في تحقيق أثر ملموس على تجربة العميل، وليس مجرد توظيف التكنولوجيا.

وفي هذا الإطار، ساهمت منصاتنا الرقمية، وفي مقدمتها منصة Neo Corp، إلى جانب مبادرات رقمنة التجارة والحلول المتكاملة لإدارة النقد، في تحسين تجربة العملاء بشكل ملحوظ وتسريع إنجاز المعاملات.

كما نركز على تقديم خدمات استشارية متخصصة مدعومة بحلول تمويلية مهيكلة مصممة حسب احتياجات العملاء، بما يعكس قدرتنا على دمج الابتكار ضمن صميم خدماتنا، وليس التعامل معه كعنصر إضافي.

وإلى جانب ذلك، يسهم التحول الرقمي بشكل مباشر في رفع الكفاءة التشغيلية من خلال تبسيط الإجراءات، وتقليل زمن التنفيذ، وتحسين دقة العمليات، بما يعزز من إنتاجية البنك وجودة الخدمات المقدمة.

«الابتكار لا يكتمل إلا إذا شعر به العميل، من حيث السرعة والبساطة والقيمة».

 

  • كيف تتعاملون مع تطورات التكنولوجيا المالية (FinTech)؟

ينظر البنك إلى التكنولوجيا المالية باعتبارها فرصة استراتيجية لتعزيز الابتكار، ويتم التعامل معها من خلال تطوير حلول رقمية داخلية، إلى جانب استكشاف فرص التعاون مع الشركات المتخصصة، بما يسهم في تقديم خدمات أكثر تطوراً ومرونة.

 

  • كيف تنظرون إلى متانة القطاع المصرفي الكويتي؟

يتمتع القطاع المصرفي الكويتي بدرجة عالية من المتانة، مدعوماً بإطار تنظيمي متطور وقاعدة رأسمالية قوية، إلى جانب مستويات سيولة مريحة، ما يعزز قدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية المختلفة.

وقد شهد القطاع خلال السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا، حيث انتقل من نموذج قائم على العلاقات إلى نموذج يرتكز على القدرات والكفاءة التشغيلية. وأصبح العملاء اليوم يتوقعون مستويات أعلى من السرعة، والخبرة في هيكلة الحلول، والتفاعل الرقمي السلس عبر قنوات متقدمة مثل الربط المباشر (Host-to-Host) وواجهات البرمجة (API).

وفي موازاة ذلك، تعززت قوة القطاع من خلال قدرته على الانفتاح على الأسواق الإقليمية والعالمية، وتوظيف الشبكات المصرفية لربط العملاء بالفرص الاقليمية والدولية، سواء عبر تمويل التجارة،
أو التمويل المشترك، أو خدمات الخزينة، ما يدعم توسع الشركات الكويتية ويعزز من تكاملها مع الاقتصاد العالمي.

وبذلك، لم يعد التميز في القطاع قائمًا على الحجم، بل على القدرة على التنفيذ، وتقديم حلول متكاملة، وتحقيق قيمة مضافة مستدامة للعملاء.

«تكمن قوة القطاع اليوم في مزيج من الاستقرار المؤسسي والقدرة على ربط العملاء بالفرص العالمية، حيث أصبحت الكفاءة والقدرة على التنفيذ هي المعيار الحقيقي للتميّز».

 

  • كيف يساهم بنك المشرق في تمويل الأنشطة الاقتصادية في الكويت؟

يساهم بنك المشرق بدور فاعل في دعم الأنشطة الاقتصادية في دولة الكويت من خلال تقديم حلول تمويل متكاملة تشمل تمويل المشاريع الكبرى، ودعم التجارة، وتوفير التمويل المشترك المصمم وفق احتياجات العملاء.

ويركز البنك على تمكين عملائه من الاستفادة من الفرص المحلية والإقليمية، من خلال ربطهم بشبكته الدولية، بما يعزز كفاءة أعمالهم وقدرتهم على التوسع.

كما يحرص البنك على دعم القطاعات الحيوية، لاسيما البنية التحتية، والطاقة، والاتصالات، والخدمات، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص.

«نحن لا نمول الأنشطة الاقتصادية فقط، بل نعمل على تمكينها من النمو والتوسع بكفاءة واستدامة».

 

  • ما رؤيتكم لمستقبل الخدمات المصرفية في المنطقة؟

يتجه مستقبل الخدمات المصرفية في المنطقة نحو نماذج رقمية متكاملة وأكثر مرونة، ترتكز على تقديم حلول مخصصة تلبي احتياجات العملاء بشكل دقيق وسريع، مدعومة بتكامل متزايد مع التقنيات الحديثة.

كما سيشهد القطاع تحولًا أكبر نحو الخدمات المصرفية القائمة على المنصات، والربط المباشر مع العملاء، وتوظيف البيانات في اتخاذ القرار، ما يعزز من جودة الخدمة ويرفع مستوى الكفاءة التشغيلية.

وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد المحركات الرئيسية للتغيير في القطاع المصرفي، حيث سيسهم في تحسين تجربة العملاء من خلال التخصيص الذكي للخدمات، وتعزيز إدارة المخاطر، ورفع كفاءة العمليات التشغيلية عبر الأتمتة والتحليلات المتقدمة.

كما سيكون للذكاء الاصطناعي دور متزايد في تعزيز جودة وسرعة القرارات الائتمانية، من خلال تحليل بيانات أوسع وأكثر دقة، بما يتيح تقييماً أفضل للمخاطر واتخاذ قرارات تمويلية أكثر كفاءة وموضوعية، خاصة لدى البنوك الإقليمية والعالمية التي تتبنى هذه التقنيات بشكل متسارع.

وفي ظل هذه التحولات، سيستمر دور البنوك في التطور من مجرد ممول إلى شريك استراتيجي يساهم في تمكين النمو الاقتصادي، ودعم الابتكار، وتعزيز التكامل الإقليمي.

«مستقبل العمل المصرفي سيكون أكثر ذكاءً وارتباطاً بالعميل، حيث تتحول البنوك من مقدمي خدمات إلى شركاء في النمو، مدعومين بقوة البيانات والذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات».

ختاماً، يؤكد بنك المشرق في الكويت التزامه بمواصلة النمو المستدام وتعزيز شراكاته الاستراتيجية، مستنداً إلى نموذج أعمال متوازن يجمع بين إدارة مخاطر رصينة والابتكار في تقديم الحلول، بما يرسّخ مكانته كشريك مالي موثوق في مختلف مراحل الدورة الاقتصادية.

«نحن في المشرق لا نواكب التغيير فحسب، بل نعمل على قيادته من خلال الابتكار، والشراكات، والتركيز على العميل».